Al-Oufok

Site du Mouvement Démocratique Arabe

Accueil > Etudes et Analyses > <DIV align=left dir=rtl>سمير أمين.. المنتج للتمرد</DIV>

<DIV align=left dir=rtl>سمير أمين.. المنتج للتمرد</DIV>

samedi 22 mai 2010, par هيفاء احمد الجندي

هيفاء احمد الجندي

لا أُخفي القارئ سراً، ان الكتابة عن سمير أمين تحد يطال مستويات عدة. المستوى الأول : أن تلم بمختلف جوانب مشروعه الفكري القديم ـ الجديد، وأن تكون قادراً على محاورته، مجادلته والاختلاف معه رغما عن التوحد الفكري الذي يجمعك به، وألا يمنعك هذا بعد معرفة ولو متواضعة بفكره، أن تبقى لذة الحب حاضرة عند تناول كتبه وكأنك تقرأه وتحتضن كتابه للمرة الأولى، إنها دهشة دائمة.
هو مفكر متطلب، بمعنى أنه يدفع قارئه إلى إعمال العقل والتفكير والتزود بمعارف متعددة، وهذا ليس بغريب عن مفكر يستحق بجدارة لقب الماركسي النقدي المجدد والتجديدي.
ان استحضاره، والكتابة عن فكره، هذه الأيام، أكثر من ضرورة وهامة لأن صحفنا ومجلاتنا لم تحتفل وتحتف به كما يجب، ولا سيما انه كُفّر سابقا، من قبل « كهنوت » اليسار الجامد وبعض شخصياته القيادية واللامعة، لأنه لم يرَ بالتجربة السوفييتية أكثر من (رأسمالية دولة) وإدارة دولتية للمجتمع، وستصل ذات يوم حدودها التاريخية، وتنقلب إلى رأسمالية برأسماليين.. وهو يُدان أيضا من قبل جماعات « اليسار الجديد » لأنه لا يزال يتمسك بحلمه الاشتراكي كبديل عالمي، إنساني يحمل الخلاص للشعوب في الشمال كما في الجنوب.
جديته، كمفكر نقدي، وكمغاير عن السائد من المفكرين والمثقفين، انه لم يتعامل مع النص الماركسي بعقل فقهي، ميتافيزيقي وانتهازي، إنما اعتبر الماركسية بناء غير مكتمل، فرأى أن المطلوب اتخاذ موقف نقدي إزاء الأطروحات التي افترضتها الماركسية وذلك على ضوء المنهج الماركسي عينه، وما علينا إلا التحرر من الدوغمائية التي جمّدت الأطروحات وحولتها إلى حقائق مطلقة ونهائية بسبب الكسل الذهني الذي يحمل التجمد الفكري في قراءة النصوص محل المجهود المستمر لتطوير النظرية، ولا يمكن تعميم ما توصل إليه ماركس على كل زمان ومكان، وإنما كل مرحلة تاريخية لها خصوصيتها وتفرز تناقضاتها وصراعاتها وتحولات قواها.
عن أطروحته حول : « نمط الإنتاج الخراجي »
هذا الرأي الجريء، أغضب بعض الذين كانوا وما زالوا يتعاملون مع النظرية بصنمية وقدسية ما دفع البعض إلى أن ينقلب مع الانقلابات ويتحول عند التحولات، على العكس من تماسك سمير أمين الفكري ونقديته المستمدة من وفائه للمنهج المادي ـ الجدلي و« خيانته » للنص، هذه الخيانة وهذا الوفاء، جعلاه يطلق على جميع أشكال الانتاج في المجتمـعات الطبقية السابقة على الرأسمالية ما سمّي (بنمط الانتاج الخراجي)، حيث المستوى الأيديولوجي هو المهيمن في هذه المجتمعات واستخراج الفائض خاضع لهيمنة البنية الفوقية، حيث السلطة هي التي تتحكم بالثروة على عكس المجتمعات الرأسمالية حيث الثروة هي التي تتحكم بالسلطة.
والأيديولوجيا المهيمنة في هذه المجتمعات هي الميتافيزيقيا التي تعطي شرعية لهذا الوضع من خلال اعتمادها على احترام المقدس، وهذا ما يفسر الشفافية في مجالات عدم التكافؤ في توزيع الثروة والسلطة. لم يكتف سمير أمين في ما بعد بمفهوم (نمط الانتاج الخراجي) الذي ينقض من خلاله الأطروحة الثقافوية الأوروبية التمركز، والتي ترى أن هناك تعارضا بين التتابع (عبودية ـ إقطاع ـ رأسمالية) الخاص بالغرب، والمنفتح على التقدم اللاحق، ودوران نمط الانتاج الآسيوي الذي سد باب التقدم، بل قدّم نظريته المعروفة حول (النمو والتطور اللامتكافئ) حيث ان مرحلة معينة من التطور تبدأ عادة من أطراف النظام « الأطراف المتخلفة » بالمقارنة مع المراكز المتطورة، لأن الأطراف تتمتع بمرونة يندر أن تتواجد في المراكز المتقدمة والمتجمدة. وحتى الأيديولوجيا الخراجية تتخذ أيضا شكلا مكتملا في المراكز وغير مكتمل في الأطراف مثل الصين حيث المجتمع الخراجي المكتمل تجمد وتخلف بينما الياباني الطرفي، المتأخر والأقل نموا أنجز القفزة إلى الرأسمالية.
التطور اللامتكافئ يفسر ظاهرتين اثنتين هما :
1ـ ظاهرة إنجاز القفزة الكيفية من النظام السابق إلى الرأسمالية في الأطراف الأوروبية الإقطاعية.
2ـ ظاهرة الثورة ضد مقتضيات التوسع الرأسمالي التي فتحت مرحلة الانتقال إلى الاشتراكية والتي بدأت من أطراف المنظومة الرأسمالية.
هذا التطور لا يقتصر على مجال دراسة اشكال نمط الانتاج ومميزات البناء التحتي بل يشمل تأملات حول البناء الفوقي، ولذلك توقف المجتمع العربي في تطوره عن المجتمع الأوروبي، وهذا لا يعود إلى سمات خاصة بالعقائد الدينية، على الرغم من إقرار أمين بمرونة بعض الأديان، وقابليتها للتكيف والتطور، إنما هذه المجتمعات بحاجة إلى النضال من أجل تقدم الأوضاع الاجتماعية من جانب، وإلى التحدي على جبهة الفكر التي تزداد تعقيدا بتنامي المد السلفي والصحوة الإسلامية التي تغزو العالم العربي، وهؤلاء يصرون على خطابهم الثقافوي الذي يتلاقى ولا يتعارض مع نظرية الثقافة الأوروبية التمركز القائمة على التباين (غرب/ شرق) وأن كل مجتمع له خصوصياته الثابتة ! وهذا يذكرنا بالمستشرقين الذين اعتبروا ان تفوق الغرب هو ناتج خصوصياته الأصلية.
ويعتبر إدوار سعيد واحدا من المفكرين الذين قدموا نقدا لنظرية الثقافة الأوروبية. لكنه لم يطرح بديلا عالمي الطابع ليحل محل الرؤية الأوروبية، بل اكتفى بإبراز عناصر التشوه على أنها سمة دائمة في الثقافة الغربية، مما دفع سمير أمين ومعه صادق جلال العظم لمحاورته والاختلاف معه وليعلنا أنها وحدها الماركسية اكتشفت طبيعة النظام الحقيقية وفكت رموز الرأسمالية.

في نقد بيروقراطية الدولة السوفياتية

أولى ملاحظات سمير أمين النقدية التي وجهها للماركسية التاريخية « المبتذلة » على حد تعبيره « أنها تواطأت ووقعت في فخ التفسير الأوروبي التمركز (عبودية/ إقطاع/ رأسمالية) والطريق الآسيوي الذي جمد التطور » وهذا التواطؤ من قبل الماركسية التاريخية كان نتاجا للتحولات التي طالت الدولة السوفياتية البيروقراطية التي مهدت الطريق للديكتاتورية التعسفية باسم البروليتاريا ولانفراط التحالف الشعبي العمالي ـ الفلاحي، وأصبحت الدولة غير ديموقراطية مما شجع تبلور الطبقة الجديدة « البيروتكنوقراطية » التي انفردت في صنع القرار. عندها روج النظام لصورة مبتذلة عن الماركسية مفادها أن الدولة السوفياتية أنجزت فعلا أهداف الاشتراكية في الوقت الذي يجري فيه استغلال الفلاحين ضمن إطار التعاونيات التي تديرها الدولة.
الأحزاب الشيوعية آنذاك، التي كانت تعيش حالة من التبعية المطلقة والذيلية للأم الحنون « الدولة السوفياتية »، هاجمت سمير أمين على كشفه وجرأته وتحليله للنموذج السوفياتي.. ولن نقول ان التاريخ أثبت صحة وجهة نظره وإنما أثبت فهمه العميق للمرجعية الفكرية وتألق منهجه الماركسي (المادي ـ الجدلي) اللذين أوصلاه إلى هذه الاستنتاجات الهامة والعميقة في سياق عرض مكامن التجديد في فكر سمير أمين وملاحظاته النــقدية على الماركسية التاريخية والأحزاب الشيوعية.
في هذا السياق لا يمكن ان نتخطى ونتجاوز ما ابتدعه مهدي عامل بخصوص (نمط الانتاج الكولونيالي). إذ لم يمنعه التزامه الحزبي وإعلاؤه من شأن الفكر ونصوصيته الناتجة عن صرامة منظومته الفكرية، ان يغفل التناقضات ويدير ظهره لخصوصية التركيبة اللبنانية والبناء الاقتصادي ـ الاجتماعي لها، وذلك في معرض تحدثه عن الشروط التاريخية لتكون الرأسمالية في لبنان بمعنى ان الشروط التاريخية التي تحققت فيها عملية تكون الرأسمالية في لبنان (طور التكون) هي الشروط التي دخلت فيها الرأسمالية كنظام عالمي وكنمط مسيطر في طور أزمتها. والمأساة في لبنان ان الرأسمالية فيه لم تعرف الطـور الصاعد بل عرفــت طورا واحـدا هو طور أزمتهـا بدخولها في طور تكـوينها، فكـان هذا الطور هو طور الأزمة وبنيتها أزموية وتطـورها ملجوما، ولذلك كانت (رأسمالية كولونيالية).

في تحولات ظاهرة « الاستقطاب »

وبالعودة إلى موضوعات الدكتور أمين التجديدية التي تجلت بتحليله وتناوله لظاهرة (الاستقطاب), التي تعتبر من أهم تناقضات الرأسمالية الملازمة لها منذ اكتمال شكلها وتتمظهر بالفجوة بين البلدان الرأسمالية وبلدان العالم الثالث، وتزايدت هذه الفجوة بعد انهيار المنظومة المسماة اشتراكية وتراجع وتآكل دول الرفاه مما ساهم في تفاقم التفاوت على صعيد انتاجية العمل ومستويات المعيشة، فكانت الفوضى المطلقة واتخاذ (الاستقطاب) أشكالا جديدة. السؤال الذي يطرح نفسه : كيف تناول سمير أمين ظاهرة (الاستقطاب) التي ميزت طرحه عن « طروحات » الماركسية التاريخية؟
يعتبر الدكتور أمين أن الاستقطاب ناتج عن ممارسة « قانون القيمة » على الصعيد العالمي. لكن أي قانون للقيمة؟.. هنا يميز أمين بين (قانون القيمة) المجرد والعام الذي يحدد الرأسمالية كأسلوب إنتاج و(قانون القيمة المعولم) الذي يعطي للرأسمالية شكلها الملموس والمترافق مع انتشارها العالمي. والفرق بين الاثنين : الأول، أي المجرد، يقوم على اندماج السوق بكل أبعادها (سوق منتجات العمل الاجتماعي، وسوق الرساميل، وسوق العمل) أما (المعولم) فهو مبتور ومجتزأ في السوق العالمية، لأنه يستبعد (قوة العمل) وبالتالي يلجأ (قانون القيمة المعولم) إلى تفتيت نظام الإنتاج في الأطراف، وتعزيز التبعية، وإعادة إنتاج الأشكال المشوهة والقديمة والخاضعة لمنطق التراكم. ويعتبر هذا القانون تعبيرا مكثفا عن هذه الشروط التي تعطل تصنيع الأطراف وتبخس العمل المشيأ في منتوجاتها، في حين أنها تبالغ في تثمين القيمة المضافة المرتبطة بنشاطات الاحتكارات الجديدة لمصلحة المراكز، فهي تنتج تراتبية جديدة في توزيع الدخل على المستوى العالمي الأكثر تفاوتا من الماضي وتخضع صناعات الأطراف وتحولها إلى نشاطات من الدرجة الثانية.
والمعروف أن أجر العامل يتساوى عند تساوي الانتاجية. أما (قانون قيمة المعولم) فهو يحقق أجورا غير متساوية عند تساوي الانتاجية، في حين أن أسعار المنتجات وربح رأس المال يتجهان نحو التساوي على المستوى العالمي ونتيجة لهذه الأوضاع ينتج (الاستقطاب).
لم تتوقف اجتهادات سمير أمين هنا، بل كان له الفضل والريادة في التمييز بين الرأسمالية القائمة بالفعل، والرأسمالية الخيالية التي تتحكم فيها قوانين اقتصادية محضة مثل : (السوق الذاتية التضبيط والأسواق غير المقننة، السوق تدير نفسها بنفسها وتحقق التوازن الدائم). أما الرأسمالية القائمة بالفعل، فلا يمكن الفصل فيها بين صراع الطبقات (السياسة ـ الدولة) ومنطق التراكم الرأسمالي، لأن الرأسمالية نظام تتكرر فيه حالات الاختلال بسبب المواجهات الاجتماعية السياسية التي تكمن في ما وراء السوق، وحتى التنافس بين رؤوس الأموال فإنه يلغي إمكانية تحقيق توازن عام. إذاً، لا يمكن قيام الرأسمالية خارج إطار صراع الطبقات أو الصراع بين الدول، وما يبرهن على ذلك، الأزمة المالية التي عصفت بالعالم والتي دفعت بالدول إلى التدخل لإدارة الأزمة واستلهام « كينز » دون « سميث »، و« كينز » المعروف بنقده للرأسمالية دون الاهتمام بطبيعتها ولا بالاستقطاب والاستلاب الاقتصادي اللذين تولدانه. كان اهتمامه منصبا على إدارة النظام لتجاوز الأزمات وأحد مخارجه لإدارة الأزمة : دفع الدول للانفاق العام كحل لفيض الانتاج عدا عن اقتراحه تضبيط الأسواق.
بعد اكتشاف أمين قانون القيمة المعولم المولد للاستقطاب، تعود الماركسية التاريخية وتعاود مطباتها النظرية، وتحديدا عندما فسّرت انتشار الرأسمالية كمرادف لتوسع أسلوب الانتاج الرأسمالي ومغفلة دور قانون القيمة المعولم، المولد للاستقطاب، والذي يتم تفسيره بقوانين التراكم الرأسمالي، وليس بمقاومة الواقع السياسي والثقافي لهذا التراكم. وبذلك تكون، أي الماركسية التاريخية، قد قبلت الفكرة وفسّرتها بفرضية منافية لما هو اقتصادي، ليأتي الأمر كأنه انتصار لمقاومة ما هو سياسي أو ثقافي.
وبما أن التراكم عن طريق النهب، يتطلب حروبا دائمة لإخضاع شعوب التخوم التي بدأت، ولن تنتهي، بالاحتلال الأميركي للعراق، وتزامنا مع هذا الحدث، انبرى بعض الليبراليين العرب الذين غادروا مواقعهم الماركسية، لأنهم ناطقون بالماركسية وبالليبرالية زوراً وبهتاناً، ويتطابق ذلك مع الوعي الزائف، الانتهازي المهووس بالوصول، حينها بدأوا يمطروننا بشتى النظريات والوصفات السحرية والكلية القدرة لإخراج المجتمعات العربية من تخلفها ومواتـها التـاريخي. وأهم هذه الوصفات، ان الليبرالية السياسية رفيقة درب الليبرالية الاقتصادية، أما الديموقراطية فلا تعدو كونها مسألة سياسوية لمقارعة الاستــبداد. والبعـض الآخر تحت مسمى التجديد والاجتهاد، بدأ يستلهم من قيم الثورة الفرنسية والحداثة الأوروبية، وهذا ما يفسر إعلاءهم قيمة الحرية دون المسـاواة، وهم يدركون ان الحداثة مرتبطة بصعود الرأسمالية في الغرب، وانها قامــت في البداية على الفصل بين المجال السياسي والاقتصادي. ولوقت ليس بالبعيد، كان الاقتراع حكرا على الذين ينعمون بملكة العقل، أي الأغنياء دون الفقراء والرجال دون النساء.
وسط هذه الفوضى من الآراء والطروحات الأقرب إلى التعميم والاختزال من جانب، والضبابية الفكرية من جانب آخر، كان لسمير أمين رأي واجتهاد بما يخص الديموقراطية ميزته عن رفاقه « النيونقديين » و« النيوتجديديين »، ومن موقعه النقدي هذا ابتدع ما اسماه : (الديموقراطية المنخفضة التوتر). وتعني هذه المقولة ان المرء يقترع لمن يشاء والجميع متساوون أمام صندوق الاقتراع. لكن ضمن ظروف السوق الناشئة يبدأ التفاوت لأن الديموقراطية خاضعة لمتطلبات الرأسمالية المتوحشة والليبرالية الاقتصادية التي هي عدو الديموقراطية، وعندما تُطرح ببعدها السياسي تُفرغ من مضمونها الحقيقي إذ لا منجزات ديموقراطية، ولا ديموقراطية سياسية دون تقدم اجتماعي، وعندما تطرح ببعدها السياسوي أيضا تقدم أكبر خدمة لقوى ثلاث : (النيولبراليين ـ المستبدين ـ والسلفيين) لأن عدوهم واحد وهو : الطبقات الشعبية.
إذاً، الديموقراطية الحقيقية وغير الزائفة، تبدأ بالاعتراف بحقوق الطبقات الشعبية والمضطهدة.. وان التنكر لمصالح الشعوب، كما اسلفنا، ليس حكراً على أميركا وإنما تشاركها في هذا التنكر الأنظمة الكومــبرادورية التي تقـتصر وظيفتها على إدارة السوق، وتحديداً في ظل تعميق العولمة الاقتصادية التي تتزامن وتترافق مع تفتيت الدول والدول ـ الوكالات إلى اشكال ما قبل دولتية، لأن الممارسات التفتيتية والإحساس بالتضامن الإثني ـ القبلي تفرغ الديموقراطية وتجعلها عاجزة أمام آليات السوق. بهذا الخصوص، فإن سمير أمين لا يقف موقف الضد والرافض للحداثة، وهو الذي اعتبرها انقلابا فكريا وسياسيا وأيديولوجيا، وجعلت من الإنسان صانع تاريخه، لكنه يقترح تطويرها كي تساهم الشعوب وتشارك في صياغتها وصياغة قيم عالمية ـ إنسانية مرتبطة حتما بتجاوز الهيمنة الرأسمالية.
وأمام انسداد الآفاق وقتامة الواقع يستعين سمير أمين بالإرادة المتفائلة للماركسي الإيطالي غرامشي، لكن ما الذي يمكن ان تبثه هذه الإرادة المتفائلة أمام تحالف رأس المال المعولم والممثل بالهيمنة الأميركية، ومن ورائها المراكز الرأسمالية والأنظمة الكومبرادورية، والإسلام السياسي، متشابكة مع بعضها البعض؟ وبالرغم من تبايناتها وتناقضاتها الثانوية يبقى هدفها واحدا ووحيدا وهو، خنق وحصار قوى التغيير الحقيقية : « البديل الوطني التقدمي » الذي يمكن أن يساهم، إن وجد، في تعديل ميزان القوى ليفرض خياراته.

رؤية نقدية لمفهوم : « البديل الوطني التقدمي »

إن التفاؤل المفرط عند سمير أمين، بما يخص « البديل الوطني التقدمي » يوقعه في الرغبوية والإرادوية، وهذه الإرادوية ناتجة عن إيمانه العميق، النبيل والأصيل، بالشعوب والطبقات الشعبية (...).
حول مسألة الانتقال الطويل الى الاشتراكية العالمية والاستراتيجيات البديلة للقرن الحادي والعشرين يقترح أمين التالي :
1ـ تتمازج خلال هذه المرحلة منظومات اجتماعية ـ اقتصادية ـ سياسية ناتجة عن الصراعات الاجتماعية لعناصر إعادة إنتاج المجتمع الرأسمالي وعناصر تطور اشتراكية ـ كمنطقتين متنازعتين ـ في مزيج وتناقض دائمين.
2ـ الإنجازات على هذا الطريق ممكنة وضرورية في كل مناطق النظام الرأسمالي العالمي في مراكزه الامبريالية كما في أطرافه.
3ـ هناك قوى اجتماعية ـ ايديولوجية ـ سياسية تعبّر من خلالها المصالح الشعبية عن نفسها ولو في حالة من الغموض، بدأت تفعل في هذه الاتجاهات، إلا ان هذه الحركات تقطر خيارات مختلفة بعضها تقدمي واخرى حاملة أوهاما رجعية مثل الإجابات شبه الفاشية على التحديات.
4ـ تشكل ضحايا التوسع الرأسمالي أكثرية في كل مناطق العالم، وعلى الاشتراكية ان تكون قادرة على تجنيد هذه الفرصة التاريخية، وهي لا تستطيع ذلك، إلا إذا أخذت في الاعتبار التحولات الناتجة عن الثورات التكنولوجية التي غيّرت في العمق هندسة البنى الاجتماعية. ويجب على الشيوعية ألا تظل علم الطبقة العاملة الصناعية بالمعنى القديم للكلمة لأنها تستطيع ان تصبح راية المستقبل لأكثريات واسعة من العاملين من يتمتع منهم بوضعية مستقرة في النظام ومن هم مستبعدون، وهذا يشكل تحدياً رئيسياً للفكر الإبداعي للتجديد الشيوعي.
وللخروج من المأزق نحو نظرية للثقافة اعالمية الآفاق ومن الاستقطاب ومن التشوه الأوروبي وايديولوجيات الرفض باسم الخصوصية، لا بد من التفكير بالاشتراكية التي تستند الى التحرر من الاستلاب الاقتصادي، ومطورة للديموقراطية وذلك عبر التصدي لتحديات ثلاثة.
1ـ تحدي السوق عبر تأطيرها ووضعها في خدمة إعادة إنتاج اجتماعي، يؤمن بالتقدم الاجتماعي، ويتم تحقيق أكبر قدر من المساواة.
2ـ تحدي الديموقراطية، وهذا لا يعني رفض الديموقراطية الحديثة واستبدالها بشعبوية سلطوية، بل يتعلق الأمر بتعزيز ديموقراطية سياسية وتطوير الحقوق الاجتماعية، وتحكم الطبقات الشعبية في إدارة الاقتصاد.
3ـ تحدي الاقتصاد المعولم عبر القدرة على تحديد مساحة الهامش لإنماء سياسات مستقلة ذاتياً للتنمية الوطنية ـ الشعبية وقلب علاقة الداخل/ الخارج لصالح الداخل.

...لكن، من يبني الاشتراكية؟

من الواضح بعد عرض أهم قراءات أمين، يمكننا الاستنتاج أنه يرسم استراتيجيات للانتقال دون تحديد فعلي وواقعي للقوى الاجتماعية القادرة والمعنية ببناء الاشتراكية. هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن أمين يرسم استراتيجياته، وكأن الاشتراكية قد تم إنجازها وتحققها واقعيا، في الوقت الذي تجابه فيه بعقبات أشد فتكاً وضراوة. فليبدأ الحوار مع ذاته ومع تعليقات لنا على فكرة هنا او فكرة هنا.
خلال هذه المرحلة ستكون الغلبة لعناصر اعادة إنتاج المجتمع الرأسمالي، وهذا بديهي بالنسبة لسمير أمين، وبالنسبة لنا أيضاً، في ظل غياب القوى الاجتماعية أي قوى التغيير ممثلة بالقوى التقدمية الديموقراطية. لأسباب تتعلق بالهيمنة الأميركية وذيلية البلدان الأوروبية للمشروع الأميركي. ولديهم طبعا المؤسسات والهيئات المجندة لخدمتهم ومراكز الفكر التي تخترع الموضات، والهدف هو ضمان استمرار النهب خدمة للتراكم وضرب أي محاولة لتنمية مستقلة عدا عن التحالف مع الطبقات القائدة في العالم الثالث، وهذه قادرة على احتواء وقمع الانفجارات الشعبية المحتملة لان مصلحة هذه الانظمة تكمن بصداقتها وتحالفها مع الرأسمالية المسيطرة عالميا بالرغم من الخطاب العروبي والقومي الذي نسمعه من هنا وهناك، ولكنها جميعها تعمل على إلحاق شعوبها وليس لديها الاتساق الاجتماعي ـ الايديولوجي ولا الثبات السياسي الكافي ولا القدرة الاقتصادية ـ السياسية، التي تؤهلها لمواجهة هذه الاستراتيجية، باستراتيجية لها طابع الاستقلالية الخاصة. تبلور قوى تغيير حقيقية مرتبطة بفك الارتباط مع الرأسمالية أي مرتبطة بالتناقض الأساسي. ولكن ما نشهده هو التعمق في الاندماج العالمي وبالتالي اشتداد التبعية، وما يبرهن على ذلك هو البدء بتطبيق السياسات الاقتصادية الليبرالية وتحرير الأسواق، وبذلك تقدم أكبر خدمة للجماهير الشعبية المعنية بالتحرير والتغيير والمقاومة عبر تحريرها اقتصادياً. والميل الوطني لبعض الأنظمة، بما يتعلق بتحسين وضعها وتعديل شروط تنميتها وقواعد التوزيع العالمي للعمل في صالحها.
ومن بين العقبات التي تقف حائلاً بوجه تبلور بديل معني بالتغيير، تنامي تيار الإسلام السياسي الذي يتواطأ مع الاستعمار الجديد « النيوكولونيالية »، ويسهل مهامه، ويعطيه الحجج والذرائع، لان الاثنين ينقلان الصراع الى سماوات الأوهام الثقافوية، وهذا يفيد استراتيجيا الاستعمار عدا التهميش المتزايد (الإفقار والقمع وفشل التنمية وانعدام الحرية والديموقراطية وغياب الدولة الوطنية). هذه الأسباب مجتمعة، دفعت بالحركات الإسلامية الى الظهور بقوة، واثبتت قدراتها على استقطاب جمهور المهمشين الجدد، أكثر من قوى اليسار التي يطالبها سمير أمين باستثمار هذه الفرصة التاريخية، أي استقطاب ضحايا التوسع الرأسمالي. غير ان ضعف اليسار وتراجعه والفراغ الذي أحدثه، فتحت الطريق امام الإسلام السياسي. وبالمحصلة فإن الحركات الإسلامية، لا تعدو كونها رد فعل رجعيا وحلا طوباويا لا أكثر، لأنها تدير ظهرها للمطالب الشعبية، ولا تملك برنامجا واجابات للمشاكل الاقتصادية ـ الاجتماعية، برنامجها الدائم والوحيد هو : « الإسلام هو الحل »، في الوقت الذي تمتنع فيه عن نقد الوضع الكومبرادوري للاقتصاد، وتعوّض عن نقصها بطرح « بديل حقيقي » بالخطاب الأخلاقي العام والمائع، وبخطاب ثقافوي يبالغ في الحديث عن الهوية وفلكلور العودة الى الاهتمام باللغة العربية وما هو تقليدي في التراث، وما الى ذلك.
وفي رأينا ان القوى القادرة على صياغة وطرح مشروع مجتمعي ينشد التغيير لصالح الطبقات الشعبية هي : قوى اليسار.

عن اليسار ودور اليسار بين التشاؤم وتفاؤل الإرادة

اعتقد ان الكلام عن اليسار ودور اليسار وهمومه يدعو الى كثير من التشاؤم وليس الى التفاؤل، على طريقة سمير أمين !. هذا اليسار الذي يعيد تحالفات الأمس ببقائه جناحاً للأنظمة العربية، يذكّرنا بالملاحظات النقدية التي وجهها سمير أمين للأحزاب الشيوعية فترة حكم الأنظمة الشعبوية الوطنية. هذه الأحزاب التي لم تخرج آنذاك عن الإطار الأساسي للمشروع القومي الشعبوي، متجاهلة ان هذا المشروع يندرج ضمن رأسمالية صرفة، اضافة الى جهل هذه الأحزاب بالطبقات الشعبية التي كانت مدعوة للدفاع عن مصالحها... ولم تقترح هذه الأحزاب بديلاً يتجاوز هذه الشعبوية القومية ! فما ان بلغت الأنظمة القومية حدودها التاريخية حتى فقد الشيوعيون مصداقيتهم. وهذا يحيلنا على الوضع الراهن لليسار حيث يزداد سوءاً ويعاني من الأمراض التاريخية نفسها، ويعيد انتاج التحالفات نفسها، متواطئاً بين الحين والآخر، مع الخطاب الرسمي العربي، اضافة الى التهتك الذي ينخر بنيته والترهل والعجز عن انتاج ما هو جديد، في الرؤى والمواقف، على مختلف الأصعدة.

الصين الرأسمالية والابتعاد عن الاشتراكية

وبمثابة جسر وصول لبناء عالم متعدد الأقطاب يفضي الى الاشتراكية في ما بعد، يعقد أمين آماله على التقارب الروسي ـ الصيني ـ الآسيوي، لتعديل موازين القوى كمقدمة لإلحاق الهزيمة بالمشروع الامبريالي الأميركي. وقتها تتوفر الإمكانية لتبلور بديل تقدمي ـ يساري ـ شعبي، تحديداً في اوروبا، مرتكز على مقولته الرائجة : إما ان تكون اوروبا يسارية او لا تكون.
بعد دراسة مطولة لسمير أمين عن الصين، وعرضه نقاط الضعف والقوة، يخلص أمين الى انها تتجه نحو الرأسمالية، وبذلك تكون اشتراكية الصين مجرد طريق مختصر نحو بناء الهياكل الاساسية للرأسمالية ومؤسساتها، في ظل التحالفات التي تجمع سلطة الدولة والطبقة الجديدة من كبار الرأسماليين من القطاع الخاص، والفلاحين الذين زاد ثراؤهم، والطبقات الوسطى المزدهرة، على الرغم من ان (الحزب ـ الدولة) ما زال يحتفظ باسم « الحزب الشيوعي » : فالذين يديرون الشؤون الاقتصادية يتجهون نحو اليمين، والذين يمارسون السلطة السياسية يعتبرون أميركا العدو الأكبر !
إذاً، فالاختيار الرأسمالي للصين بدأت معالمه تتضح بقبول الحزب إحلال الملكية الخاصة محل الملكية الجماعية، على الرغم من ان الرأسمالية غير قادرة على حل المشكلة الزراعية لان توسع رأس المال في الزراعة هو تدمير لمجتمعات بكاملها، وحل المشكلة الزراعية يقتضي بالتأكيد تجاوز الرأسمالية. ويؤكد أمين ان البرجوازية الصينية لا تقل ابتذالا عن البرجوازية العربية، على الرغم من ان الثورة نقلت الصين الى الحداثة. إن تفاؤل أمين بما يخص الصين ناتج عن ثقته بالطبقات الشعبية التي تتمسك بقيم الاشتراكية وقيم الثورة، لأنها تعرف كيف تناضل لانتزاع حقوقها. لكن : هل الطبقات الشعبية قادرة على ان تفرض على الطبقات الحاكمة الصينية تنازلات تجعل (اشتراكية السوق) مرحلة نحو الاشتراكية، في الوقت الذي يزداد اندماج هذه الطبقات الحاكمة في النظام الرأسمالي العالمي، وما يترتب عن هذا الاندماج من تنازلات في غير صالح الطبقات الشعبية؟ الإجابة برسم مفاعيل الصراعات والتناقضات داخل المجتمع الصيني نفسه !

إفراط بالتفاؤل بصدد أوروبا... يسارية

يتابع سمير أمين نبله الماركسي وتألق منهجه، مع جرعة زائدة من التفاؤل، عندما يقدّم قراءته لأوروبا التي اما ان تكون يسارية او لا تكون !... يستمد أمين رؤيته حول إمكانية يسارية المشروع الأوروبي من ان الطبقات الحاكمة، تدافع عن النيوليبرالية المعولمة، في حين ان الشعوب لديها رؤية مختلفة. وهناك قوى في اوروبا تؤيد بشكل واضح رؤية اوروبا مختلفة، حيث يتبلور بديل يساري يسمح لرأس المال الأوروبي بخوض المنافسة الاقتصادية في ميدان خال من الألغام، وتفرض على الطبقات الحاكمة ان تستثمر أموالها او فوائض أموالها، التي دأبت على استثمارها في الولايات المتحدة، لتمول من خلالها المشروعات الاجتماعية، وهذا بحد ذاته سيؤدي الى تدهور الاقتصاد الأميركي الطفيلي. وبعدها يتساءل أمين : الى متى ستبقى الأحزاب اليسارية سجينة الرؤية اليمينية؟ ومتى تتمكّن من طرح بديل سياسي ـ اجتماعي ـ مندمج؟ !
أما من جهة الحركات الاجتماعية المتواضعة فيرى فيها بذرة لتأسيس مجتمع مدني عالمي يساهم بالتغيير وتصبح هذه الحركات الفاعل الحاسم في انتاج مشروعات مجتمعية خلاقة وفاعلة. اعتقد انه يبالغ في قدرة هذه الحركات، على أهميتها، وهو يقر بذلك ايضا، ولكن ما ينقصها هو وعي سياسي بالتغيير، والأحزاب التي تصنع السياسة. ولكن هذه الحركات يمكن ان تشكّل رديفاً هاماً للأحزاب. وعلى الأحزاب ان تستثمر هذه الحركات لان تطلعاتها تبقى إصلاحية ولا تربط الظواهر بأسبابها العميقة والحقيقية لان الرأسمالية قادرة على تفتيت وتمييع هذه الحركات. التسييس يخلق وعي التغيير ووعي التغيير يفرض على أرضية الصراع ضد الرأسمالية.
ونصل الى النقطة الحاسمة والأكثر اهمية وهي تعقيدات الأوضاع في الأطراف، والمعروف ان التراكم عن طريق النهب وقوى الاحتكار وإدارة الازمات، يتطلب حروباً دائمة وتدخلات دائمة، وغالبا ما تتحمل شعوب الأطراف، وتحديداً الشرائح الدنيا، وزر هذه الازمات. ومن هنا يعقد أمين آماله على ان التغيير والثورة والتحول الاشتراكي سيبدأ من الأطراف.

عن اشتراكية الأطراف وحالات « موت الأحزاب »

السؤال المركزي والجوهري : الى أي مدى التحول الاشتراكي ممكن التحقيق في الأطراف في ظل الآنفة الذكر؟ اعتقد ان هذا التساؤل لا يعدو كونه طوباويا ومسألة التحول ليست مؤجلة بقدر ما هي مستحيلة وتحديداً في الأطراف، ولكن أمين يقترح كمرحلة انتقالية (تحالفا وطنيا ـ شعبيا ـ ديموقراطيا) للانتقال الطويل الى الاشتراكية، وتتصارع خلال هذه المرحلة قوى متعددة، تساهم في تبلور سياسات مناهضة للكومبرادورية.
لا ادري الى أي مدى تسمح الظروف الواقعية والموضوعية بتبلور قوى قادرة على مناهضة الكومبرادورية وتلزمها بفك الارتباك في ظل موت السياسة والأحزاب في العالم الثالث.
موت الأحزاب القادرة على تنظيم الطبقات الشعبية للدفاع عن مصالحها وممارسة نضالاتها من اجل تحقيق قدر من العدالة الاجتماعية التي لا تمنح، وانما تنتزع انتزاعا، وتكسب من القاعدة عبر النضال، وتكوين وعي اجتماعي مسيّس وفعّال. لأن الأحزاب تصنع السياسة ولكن أين الأحزاب التي تنشد التغيير والقادرة على احتواء غضب وتنظيم الطبقات الشعبية واحتضان المثقفين النقديين والمتصالحة مع الأنتلجنسيا المسؤولة وحدها، وعبر الأحزاب، عن نهضة الوعي الشعبي وارتقائه إلى مستوى الفاعل في التاريخ، لأن طبيعة البنيان والتركيب الاجتماعي ـ الاقتصادي المتعدد والمتداخل، يفترض وجود هذه الكتلة التاريخية النهضوية لتنتج مشروعها المجتمعي القادر على فرض التغيير. إلا أن موت الأحزاب (ونقصد هنا بموت الأحزاب اختيارها ان تكون جناحا للأنظمة الكومبرادورية ومحافظتها على التراتبية الهرمية والبنى التنظيمية المترهلة وغير الديموقراطية). وهذا لا يسمح لها ان تتصالح مع العقل النقدي، وحتى ان المثقفين يتحمّلون مسؤولية ويساهمون في تردي الأوضاع إذا أداروا ظهرهم للفكر النقدي وهمّ التغيير.

عن التفاعل الضروري مع رؤى غرامشي

وهنا الاستعانة بالمفكر الماركسي الإيطالي غرامشي تجد مبررها التاريخي وتحديدا عند كلامه عن « المثقف العضوي »، وأن كل طبقة اساسية تفرز مثقفيها، ويبدو أن البرجوازية الطفيلية لا تتوقف عن تفريخ وفرز مثقفيها المقاولين في ظل انحسار المثقف النقيض، أي المثقف النقدي ـ الثوري الطامح للتغيير لعدم تبلور الطبقة النقيض أصلا، ما أراه ملحا هذه الأيام أن تعيد أحزابنا ارتباطها بغرامشي أساسا وتستلهمه كمرشد ودليل عمل هذا الحالم الكبير الذي أكد على الصلة واللحمة بين المثقفين والبسطاء، واعتبر هذه الوحدة هي ذات الوحدة بين النظرية والممارسة، وعلى المثقفين ان يصوغوا المبادئ والقضايا التي تثيرها الجماهير في نشاطها العملي صياغة محكمة، وبهذا يشكلون كتلة ثقافية واجتماعية وتقع على عاتق المثقف ايضا مهمة الارتقاء بوعي الجماهير عبر صياغة أرقى من الحس المشترك والاتصال بالناس يجعل الفلسفة تاريخية، لذلك يجب على المثقفين ألا يتمايزوا عن البسطاء، وغرامشي بهذا المعنى قام بتأميم الماركسية عبر المثقفين، لذلك أصبحت رؤاه ضرورة تاريخية لمجتمعات الأطراف أكثر من أي زمن مضى.
الانهيارات وقتامة الواقع تدفع فقط المفكرين الحقيقيين والأصيلين إلى الحلم والطوباوية كما تدفع الزائفين إلى الانكفاء والتحول. فتحية لسمير أمين عندما يستعين بإرادة غرامشي المتفائلة وإن دل على شيء إنما يدل على رغبته وإيمانه العميق بالتغيير، والتغيير عند المفاصل الهامة في التاريخ بحاجة إلى حالمين كبار، ولكن ما أرجوه هو أن تستمد الأحلام مشروعيتها من تحققها واقعيا، لتجد تفاؤلية سمير أمين وإرادة غرامشي مبررهما التاريخي.
فما علينا إلا العمل والبدء وطرد الانتظار.

مراجع :

ـ سمير أمين : « اشتراكية القرن » ـ 2008 (مركز البحوث العربية والأفريقية).
ـ سمير أمين : « الفيروس الليبرالي » ـ 2003 (دار الفارابي).
ـ سمير أمين : « ما بعد الرأسمالية المتهالكة » ـ 2003 (دار الفارابي)
ـ سمير أمين : « مناخ العصر » ـ 1999 (مؤسسة الانتشار العربي).
ـ سمير أمين : « نحو نظرية للثقافة » ـ 1989 (معهد الانماء العربي).
ـ سمير أمين : « بعض قضايا المستقبل » ـ1990 (دار الفارابي).
ـ سمير أمين : « امبراطورية الفوضى » ـ 1991 (دار الفارابي).
ـ أنطون غرامشي : « دفاتر السجن ».
ـ مهدي عامل : « الدولة الطائفية » ـ 1986 (دار الفارابي).

<FONT color=#ff0000 face=Arial>Pétition
Non au terrorisme de l’Etat d’Israël
<A href="http://www.aloufok.net/spip.php?article2">http://www.aloufok.net/spip.php?article2