Al-Oufok

Site du Mouvement Démocratique Arabe

Accueil > Portraits > <DIV align=left dir=rtl>بشار خليفة في أسطوانة « بقعة نفط » : الموسيقى (...)

<DIV align=left dir=rtl>بشار خليفة في أسطوانة « بقعة نفط » : الموسيقى البديلة</DIV>

vendredi 4 juin 2010, par Hala Nohra

هالة نهرا

أغنياتٌ خمس أدرجها المؤلّف اللبناني بشّار خليفة في أسطوانة « بقعة نفط » Oil Slick الصادرة حديثاً عن « نغم ريكوردز ». لعلّها المرّة الأولى التي يتمّ التطرّق فيها إلى موضوعاتٍ كهذه. شبقٌ وأمراض ووساوس. هيجان سيكولوجي. كشفٌ عن جوع مقنّع إلى الحياة. ميكانيكيةٌ هي. نواصل حركتنا فيها بلا أيّ دافع انسحاباً من معركةٍ غير متكافئة، أو نتعلّل بالأمل. من عِلَلٍ فيزيولوجية ونفسية، إلى علاّت أنظمةٍ قمعية، ينطلق خليفة للإضاءة على متطلّبات الإنسان في القرن الحادي والعشرين : قسط من الراحة والحبّ، وأوكسيجين الحرّية. لم يمرّ كالظلّ ببؤَر الخوف، والتضعضع، والشهوات. غاص فيها معالجاً، في جديده، مسائل متفرّقة لا نلتفت إليها، عادةً، في عالمنا العربي. قد نتناولها في المسرح ربّما، أو في الفنّ التشكيلي. لا أعرف لماذا تقتصر أغانينا على الحبّ الأفلاطوني، والعتاب الساذج، والفراق، والتغرّب. حتّى الأغنية الوطنية أو الملتزمة تردّنا، في غالبية الأحوال، إلى تيمات جاهزة وغنائية منمذجة (مع وجود بعض استثناءات). ما فعله بشّار خليفة هو التفتيش عمّا يطابق واقعيّة الواقع، وحيثيّاته، وأحكامه. جمع في أسطوانته هذه صُوَراً مبعثرة التقطها من يوميّات الناس البسطاء ومعاناتهم، ومن حاجاتٍ شخصية وحالاتٍ خاصة. ربطٌ بين الجنسي والحسّي والسياسي والإنساني. الوجع يصل نُتَف تلك المواضيع التي تبدو غير متّصلة للوهلة الأولى. حتّى الملذّات تقترن بالوجع. نكون بهذا أمام رؤيةٍ محوكة بتطلّعاتٍ حرّة ونزعات رفضية يقابلها الألم. هذا من جهة. أمّا الوجه الآخر لمقاربة خليفة، فمحفوفٌ بسرياليةٍ ما فرضها واقعٌ منفصم. متناقضٌ هو. دورانيّ. يدفع إمّا إلى التسليم به وإمّا إلى الغرق في المتخيّل هرباً من تسلّطه وتخشّبه. نرى المؤلّف آتياً من رغباتٍ تتفتّح علانيةً في الآخر، له، ونراه أيضاً متقمّصاً روح الآخر السقيمة والمستسلمة لقساوة القدر. تلك الموازنة بين الاضطرابات العضوية والوظائفية الحادّة من جهة، وبين اختلال الواقع أو بالأحرى العالم وتشظّيه من جهةٍ أخرى، لم تقتصر على الكلمة/النصّ. ارتسمت ملامحها في المعالجة الموسيقية التي صمّمها بشّار بما يتلاءم مع دلالات النصوص. ثمّة تجانس بين القول الكلامي والموسيقي، علماً بأنّ التأليف الموسيقي قد ضاعف وقع الكلمات المعدودة والبسيطة.

المرض
يشتغل المؤلّف في أغنية Progeria على التعارضات الموسيقية المستقاة من بُعد النصّ وتطوّرات الحالة المتفاقمة. ترجمةٌ جريئة لمراحل مرض « شيخوخة الأطفال » بدءاً من المرحلة الأولى وظاهرها المَرِح (قُبَيل الإصابة)، مروراً بالإصابة وتداعياتها، وصولاً إلى مفارقة الحياة. ينتقل، في الأغنية المذكورة، من مقدّمةٍ ميلودية وصوتية تشتمل بفضاء الطفولة الورديّ، إلى تراكيب أكثر حدّةً وتصاعداً. يشكّل الـ « بروغريسيف روك » مادّةً صاعقة وذكيّة للكشف عن مأسوية الوضع المتدهور. في الأغنية القائمة على البيانو (لا نعلم إذا كان العازف بشّار أم رامي خليفة)، والدرامز (إمريك ويستريتش)، والباص (ألكسندر أنجولوف)، بالإضافة إلى آلة الـ synthétiseur الالكترونية، وصوت بشّار... في الأغنية هذه ـ وإيقاعها 8/6 كما يتبيّن لنا مبدئيّاً ـ توغّلٌ في أنفاق المرض ودهاليزه المرعبة. نجح خليفة في إيهامنا سمعيّاً بمواكبة حركة المرض المستفحل، من التجعّدات الأولى وعلامات الهرم المبكّر وصولاً إلى النفَس الأخير لحظة التلاشي. ليس سهلاً ما حقّقه المؤلّف. قد يبدو غريباً وبعيداً عن مقارباتنا المحلّية والعربية لمواضيع كهذه. نجنح، في الموسيقى العربية، إلى لونٍ بكّاء ربابيّ (نسبةً إلى الربابة) وطابعٍ كربلائي إذا قرّرنا ولوج عمق الوهن والانكسار. تيماتٌ تُعالَج، عموماً، تبعاً لرؤيةٍ مهيّأة سلفاً. نكتفي، في هذه الحال، بمقامَي « الصبا » و« الحجاز » على سبيل المثال، وبمرافقةٍ إيقاعية بطيئة ومتواترة. أمّا بشّار، فصمّم على انتهاج الخطّ الأصعب (وإن بدا قليل الوعورة)، لينهل من الرمزية والتعبيرية بمفهومهما العام والواسع معرّجاً، بهذا، على التركيب، والإيحاء، والإيجاز، والتكثيف، والتبسيط.
حينما انكبّ على تأليف عمله هذا لم يشغله ردّ فعل الجمهور العربي، ولم يسعَ إلى تفسيره بغية تسويقه. أفادته دراسته الأكاديمية الكلاسيكية في كونسرفاتوار « بولون بيانكور » في فرنسا، إذ شكّلت أساساً متيناً لانعطافٍ لاحق إلى الجاز، والموسيقى العربية (تأثّراً بوالده مرسيل خليفة)، والموسيقى الإلكترونية والحديثة، والروك. هذا الخليط الفنّي، والثقافي، والحضاري أيقظ نمطاً موسيقيّاً خاصّاً لا يمكن حصره في إطار هويةٍ فنّية واحدة، محدّدة. نمطٌ يمكن زجّه في خانة « موسيقى العالم » أو الموسيقى العولمية world music نظراً إلى احتوائه على أنواع وأجناس مختلفة. يتوجّه بشّار، حتماً، في عمله، إلى الجيل الجديد أينما كان. موسيقى راديكاليّة و« شبابيّة » بامتياز (رغم عدم دقّة المصطلح من الناحية العلمية). وفي الحديث عن تفاصيل الأسطوانة، لا بدّ من الإشارة إلى مقدّمة الأغنية الثانية « مسافة » Distance المدروسة والمصقولة (علماً بأنّها مترجمة إلى الفرنسية). جُمَلٌ تمهيدية طويلة ارتكزت على إعادة القول الموسيقي مرّةً بعد مرّة. تكرارٌ متعمّد ولمّاح يروّض الحواس والمخيّلة في مستهلّ الرحلة المرتقبة. رحلة أم « مسافة »؟ لا يهمّ. لعلّها بقعةٌ ممتدّة. مساحةٌ مشتركة بين الإثارة والرعشة، وبين التحمية التأمّلية والتجلّي : « خدني على جنّة بعيدة/ وصّلني/ شِفّتَك بشِفّتي/ غمُرني/ خدني/ واتركني ». ثمّة مقابلة ضمنية بين القشعريرة والانخطاف الصوفي أو الروحانيّ. ضربةٌ كأنّما تُسمَع وطأتها من بعيد، ليتغيّر، في ما بعد، مناخ الأغنية. ما يذكّر بمقدّمات فرقة « بينك فلويد » الإنكليزية. وما يلفت الانتباه يكمن في سلسة الـ arpèges والخطوط المتموّجة. يمكن القول، في هذا السياق، إنّ لموسيقى بشّار خليفة بُعداً مشهديّاً تصويريّاً هامّاً. أمّا الخاتمة، فمتفرّدة ومشهديّة أيضاً. كلّما انخرط بشّار في تجربةٍ معيّنة نراه يبحث عن أخرى. لذلك، يتعذّر تصنيف نتاجه الفنّي إذ لا يكفّ عن التحوّل من صيغةٍ ثابتة أو مركّبة إلى أخرى، ومن نمطٍ إلى آخر. التصنيف يبقى، بهذا المعنى، وقتيّاً ومفتوحاً على افتراضاتٍ غير قليلة. وفي العودة إلى كيفية مزج الطابع الإيروسي ـ لغةً وموسيقى ـ بطقوس التأمّل، لا بدّ من التنويه بقدرات بشّار الذي تمكّن من وصل المتعة الحسّية بمُتَعٍ روحيّة وذهنية. الأغنية الثالثة تشي بهذا التلاحم. يُحاك كلّ ذلك في جوّ مريح يحيلنا إلى الموسيقى اليابانية وتقاطيعها. أمّا الأغنية الرقم 4، فعابقةٌ بتطرّفٍ موسيقي وأسلوبي ظاهرَين. جازف المؤلّف، هنا، في انسياقه وراء أهوائه وأمزجته الفنّية، من دون الالتفات إلى ذائقة المتلقّي (أيّا كان) ووعيه. يستعمل التقنيّات التكنولوجية للتلاعب بنوعية الصوت البشري. بهذا، يتحوّل صوت المؤدّي إلى صوتٍ مُمَكنن. صوت رجلٍ آليّ (روبوت) يطلق ألفاظاً مبهمة أو مموّهة. لعلّ ما أراده خليفة هو التعبير عن واقعٍ روتيني مقيت ومبرمَج، وعن هواجس ومشاعر سلبية حُفرت في اللاوعي. هذا على المستوى النظري البحت. أمّا عمليّاً، فلم تكن النتيجة مطابقة للفكرة الأوّلية المنشودة.

احتجاج

انطلاقاً من هنا، يمكن القول إنّ جرأة بشّار التي نفعته في الأغنيات الثلاث السابقة لم تقُد ههنا إلى خلاصةٍ جليّة. بقيت الفكرة « الطليعية »، في أغنية Marée Noire، محصورةً ضمن أُطُر التجريب الحداثويّ (أو ما بعده) غير المفهوم. ما يوقع المستمع، أكان عالماً بالموسيقى أم لا، في فخّ التأويل والتكهّن. وإذا أردنا الكلام على أغنية « ديموقراطية » قلنا إنّها مستقاة من صرخات الاحتجاج في التظاهرات الشعبية. ينطق خليفة، في أغنيته، بلسان الجماهير هاتفاً : « ما بدنا يظلمنا/ ما بدنا يحكمنا/ بدنا ديموقراطية/ بدنا بدنا حرّية ». كتابةٌ مبسّطة توسّلها بشّار لجعلها في متناول الجميع. أغنيةٌ تحوّلت إلى مظاهرةٍ مُمَوسقة وموقّعة. طُعّمت بمقام « الراست » في مناخٍ وتري نوريّ، بالإضافة إلى تتابع الأصوات التنافرية dissonance الوظيفية، والتنويعات المكتوبة لآلة الدرامز. قد يصعب اختزال العمل وتشريحه. عملٌ جاد يستحقّ الإصغاء، وهذا ما يمكن أن يُطلَق عليه، حقيقةً، صفة « الموسيقى البديلة ». في « بقعة نفط » محطّاتٌ كثيرة تحضّ على التوقّف عندها، فيها. أسطوانةٌ دالّة على إقدامٍ وتقدّم يظهرهما بشّار، وإن نأى، بعض الشيء، عن هموم الموسيقى العربية.

<FONT color=#ff0000 face=Arial>Pétition
Non au terrorisme de l’Etat d’Israël
<A href="http://www.aloufok.net/spip.php?article2">http://www.aloufok.net/spip.php?article2