Al-Oufok

Site du Mouvement Démocratique Arabe

Accueil > Les communistes arabes > <DIV align=left dir=rtl>من آخر أعمال المؤرخ البريطاني طوني جودت المـلاذ الأخيـر (...)

<DIV align=left dir=rtl>من آخر أعمال المؤرخ البريطاني طوني جودت
المـلاذ الأخيـر : الديموقراطيـة الاشـتراكيـة</DIV>

samedi 27 novembre 2010, par هيفاء زعيتر

هيفاء زعيتر

العدو الأسوأ للرأسمالية غير المنظمة والمنفلتة، هو الرأسمالية نفسها ÷ ستسقط الرأسمالية ضحية تطرفها لا مفر من العودة إلى الدولة وإلى القطاع العام اعترف عدد لا يحصى من مناصري الاقتصاد الحر بخطإهم وأعلنوا ولاءهم للأعراف الكينزية أثبتت الخصخصة عدم فعاليتها، والتفاوت الاجتماعي آفة مدمرة للدولة.

ثمة خطأ ما في حياتنا. ثلاثون عاماً مضت ونحن نسعى وراء مصالحنا المادية والشخصية، حتى بات سعينا هذا، هدفنا الجماعي الأوحد. ندرك ثمن الأشياء ولا نفقه قيمتها. علماً أن صفات المادية والأنانية التي تتسم بها حياتنا المعاصرة، ليست ملازمة للطبيعة الإنسانية، فجزء كبير مما يبدو لنا بديهياً اليوم، يعود الى الثمانينيات : هاجس تكديس الثروات، تبجيل القطاع الخاص، اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، والأسوأ من ذلك، الخطاب الذي واكب تلك التحولات : إعجاب أعمى بالأسواق المفتوحة والمتحررة من كلّ قيد، ازدراء مطلق لكل ما يمت للقطاع العام بصلة ووهم بتحقيق نمو دائم.
لا نستطيع الاستمرار على هذه الحال. أظهرت لنا أزمة العام 2008 الاقتصاديّة أن العدو الأسوأ للرأسمالية غير المنظمة هو الرأسمالية نفسها : فعاجلاً أم آجلاً، ستسقط ضحية تطرفها، ولن تجد مفراً من أن تلجأ مرة أخرى إلى أحضان الدولة طلبةً المساعدة. وإذا ما استمررنا في رتق الفجوات والاستمرار كأن شيئاً لم يكن، سنواجه مشاكل أشدّ وطأةً وسوءً. لكننا على ما يبدو غير قادرين على تصور بديل مناسب.
نحتاج إلى إعادة التفكير في مفهوم الدولة وصياغة خطاب الديموقراطية الاشتراكية من جديد. على الديموقراطيين الاشتراكيين ان يتخلوا عن حذرهم ويتوقفوا عن الاعتذار. ان التصور الديموقراطي الاشتراكي لمجتمع جيّد، يفرض دوراً متنامياً للدولة وللقطاع العام. فدولة الرفاه لم تكن يوماً أكثر شعبيّة مما هي عليه الآن لدى المستفيدين منها : لا يؤيّد الناخبون في اي دولةٍ اوروبيّة تقليص الخدمات الصحية العامة، وخدمات النقل العام، وخدمات التعليم المجاني أو شبه المجاني، أو أيّ خدمات أخرى أساسية. نحن نمارس منذ وقت طويل ما بشبه الديموقراطية الاشتراكية/الاجتماعية إلا اننا نسينا كيف نتغنى بها.
كان لـ « إجماع واشنطن » في السنوات الاولى من هذا القرن الكلمة الفاصلة في هذا الأمر. اجتمع اقتصاديون و« باحثون » من كافة أنحاء العالم على مديح فضائل تقليص النظام والحد من دور الدولة وتقليص الضرائب. فكل ما يستطيع القطاع العام القيام به قد يتولاه القطاع الخاص بطريقةٍ أفضل.
الآن، دق ناقوس الخطر. أقدمت الحكومات والبنوك المركزية على تغييرٍ مفاجئ ومثيرٍ للدهشة لتجنب الإفلاس الوطني وانهيار النظام المصرفي بأكمله، وقامت بتوزيع الأموال العامة في سياق خطتها لإعادة الاستقرار الاقتصادي، وأخضعت بلا أي تردّد عدداً من الشركات المفلسة لسلطة الدولة. هذا وقد اعترف عدد لا يحصى من مناصري الاقتصاد الحر، الذين كانوا يجلون ميلتون فريدمان وزملائه من مدرسة شيكاغو، بخطئهم وأعلنوا ولاءهم للأعراف الكينزية.

تراجع تكتيكي

كلّ ما حصل حتى الآن جيّد، إلا انه لا يشكل ثورة فكرية على الإطلاق. بل على العكس تماماً : فالعودة الى المدرسة الكينزية ليست، بحسب ما أظهره ردّ فعل حكومة أوباما، اكثر من تراجع تكتيكي. صحيح ان احدى نتائج الأزمة تجلت في تهدئة حماسة الأوروبيين للنموذج « الأنغلو ـ أميركي ». الا انّ المستفيدين من ذلك هم ذواتهم احزاب يمين الوسط الذين كانوا متلهفين لنسخ نموذج واشنطن.
باختصار، نحن نحتاج بشدة إلى أن يكون لحكوماتنا دورٌ أبرز. بيد ان هناك عزوفاً ملحوظاً عن الدفاع عن القطاع العام، وذلك تحت شعار المصلحة الجماعية او المبادئ. والدليل على ذلك سلسلة النتائج التي شهدتها الانتخابات الاوروبية التي اعقبت الازمة المالية والتي عانت خلالها الاطراف الديموقراطية الاجتماعية من انتكاسات خطيرة. فعلى الرغم من انهيار السوق، أثبتت انها غير قادرة على الارتقاء على مستوى الظروف.
على اليسار، إذا ما أراد أن يؤخذ على محمل الجد مرة أخرى، أن يستعيد صوته من جديد. أمامه الكثير من أسباب الغضب : تزايد التفاوت في توزيع الثروات، الظلم الطبقي والاجتماعي، الاستغلال الاقتصادي في الداخل والخارج، الفساد، المال والامتيازات التي تسد شرايين الديمقراطية. لا يكفي هنا ان نضع إصبعنا على عيوب النظام ثم نغسل أيدينا من دون القلق بشأن العواقب. حري بنا ان نعيد تحديد دور الدولة، فإن لم نفعل ذلك، تولى آخرون الأمر نيابة عنا.

الخصخصة غير فعالة

إذا كان علينا ان نجد صفة عامة للتغير الفكري الذي شهده الربع الأخير من القرن العشرين، فستكون بكل تأكيد، تبجيل القطاع الخاص ولا سيما سياسة الخصخصة. ومع ظهور الدولة الحديثة، خضعت وسائل النقل والمستشفيات والمدارس ومكاتب البريد والجيش والشرطة والسجون وإتاحة الثقافة للجميع ـ التي هي خدمات أساسيّة لا يفترض لها ان تبغى الربح - لسلطة وتنظيم الدولة. أما الآن، فقد اعيدت هذه الخدمات الى عهدة القطاع الخاص.بتنا نشهد على توسع القطاع الخاص على حساب القطاع العام من دون ان يعود ذلك بالفائدة على المجتمع.
خلافاً لما هو سائد في النظريات الاقتصادية والأساطير الشعبية، أثبتت الخصخصة عدم فعاليتها. فمعظم الخدمات التي ارتأت الدولة وضعها في عهدة القطاع الخاص لم تكن مربحة : فمن سكك الحديد ومناجم الفحم الى البريد والكهرباء، كانت تكاليف التموين والصيانة باهظة لدرجة لا يمكن معها تحقيق الأرباح. هذا السبب وحده كافٍ كي لا يرى المستثمرون في القطاع الخاص أي فائدة من شراء هذه المنافع العامة، باستثناء الحصول عليها بسعر زهيد. لكن عندما تبيع الدولة أحد المنافع العامة بأسعار زهيدة، تقع الخسارة على المجتمع وحده. (...)
أنتجت عمليات الخصخصة اقتصاداً هجيناً من الجنس الأسوأ، يستمر فيه تمويل المؤسسة الخاصة من الأموال العامة إلى أجل غير مسمى. تسلم الحكومات الشركات الخاصة، التي تعرض إدارة الأعمال بشكل أفضل من الدولة بأقل تكلفة، مزيداً من المســؤوليات. في القرن الثامن عشر، عرف هذا النظام بـ « الايجــار ». بما ان الحكومات كانت تفتقر في كثير من الأحيان إلى آليـــات فاعلة لجــمع الضرائب، فكانت توكل جماعات خاصة بهذه المســؤولية. وكانت هذه الجماعات، بعد أن تدفع المبلغ المتـــفق عليه للدولة تملك حريّة رفع الضرائب والاحتفاظ بفارق المال... اعترف الجميع في فرنسا بعـد سقوط النظام الملكي بعدم فعالية هذا النظام. فهو، من جــهة، يسيء إلى الحكومة التي بات يمثلها سمسار جشع. ومن جهة أخرى، فإن أرباحها تعد منخفضة جداً مقارنةً بأرباح نظام ضريبي يدار بشكل سليم، إضافة الى أنه يثير غضب دافعي الضرائب.

حرب الجميع ضد الجميع

هكذا يُفرّغ المجتمع من مضمونه. لن يلجأ المواطن طواعية إلى الدولة عند الحاجة إلى إعانات البطالة، أو تلقي العلاج والحصول على المنافع الاجتماعية وغيرها من مختلف الخدمات. فالخدمات التي يحتاجها باتت « تسلّم » إليه عبر وسيط خاص. ما يجمع المواطن بالدولة لم يعد سوى السلطة والخضوع.
حذر الفيلسوف الايرلندي إدموند برك، في معرض انطباعاته المعارضة التي سجلها حول الثورة الفرنسية في العام 1970، من ان كل مجتمع يعمل على هدم بنية الدولة سرعان ما « سيذوب في زوبعة الفردية وغبارها ». فتجزئة الخدمات العامة وحصرها بأطراف خاصة يشكلان بداية الطريق لتفكيك بنية الدولة. أما بالنسبة لزوبعة الفردية فهي تذكرنا بـ « حرب الجميع ضد الجميع » التي وصفها الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز حيث تغدو الحياة موحشة، فقيرة ومروعة بحق. لم يتصد اليسار بفعالية للأزمة المالية العالميّة في العام 2008 ، وبالأخص لعمليّة التقليل من تدخل الدولة لمصلحة السوق خلال السنوات الثلاثين الماضية. ومع فقدانهم لأي خطاب جذري تغييري، يتبنى الديموقراطيون الاشتراكيون وأصدقاؤهم التقدميون منذ فترة طويلة موقفاً دفاعياً : فهم يقضون وقتهم في الاعتذار عن سياساتهم ولا يتمتعون بالقدرة على الاقناع عند انتقاد الخصوم. وحتى عندما تنجح برامجهم الانتخابية في جذب الناخبين، يجدون صعوبةً في رد التهم الموجهة إليهم حول التسيب المالي والخضوع للدولة.
ما العمل إذاً؟ أي لغة قد يتبناها اليسار ليشرح ويبرر أهدافه؟ لم يعد العالم يتسع لنظرية عالمية كبيرة عفا عليها الزمن؟ كما لا يمكننا أيضاً العودة للدين. حتى لو كنا نتفق على أن الحياة لا تمضي نحو هدفٍ سامٍ، لا بدّ لنا من أن نعطي لأفعالنا معاني تتخطّى ماديّتها. فالاتفاق على أن أمر ما يقع أو لا يقع في دائرة منفعتنا المادية، لن يكفي في أغلب الأحيان لمعظمنا.
ما الخطأ الذي نراه في الرأسمالية الجامحة أو ما كان يسمّى « المجتمع التجاري » في القرن الثامن عشر؟ ما الذي نراه، بفطرتنا الإنسانية، نقصاً في مجتمعاتنا، وما الذي بامكاننا ان نفعله حتى نعالج ذلك؟ ماذا فقدنا حقاً؟ وسط ما يحيط بنا من اهداف متضاربة قلّما تلتقي، على الحد من عدم المساواة ان يكون أولويتنا القصوى. فعندما تستفحل اللامساواة تصبح كل الاهداف المبتغاة بعيدة المنال. انّ ايّ فكرٍ نقدي تقدّمي للعالم عليه ان يتوجّه في الدرجة الأولى ضد عدم المساواة في اتاحة الموارد للجميع وبأنواعها كافةً بدءا بالحقوق وصولاً الى اتاحة المياه للجميع. الا انّ مشكلة عدم المساواة تتعدى كونها مشكلة تقنية، فهي تكشف ضعف التماسك الاجتماعي وتفاقم الشعور بالعزلة عن المجتمع لدى الأقل حظاً ممن يعيشون في مجتمعات مغلقة نتركهم فيها كي نستأثر بالمزايا والمنافع المادية نحن وعائلاتنا. انّه مرض عصرنا هذا، والخطر الأكبر الذي يتهدّدّ صحّة ايّة ديموقراطيّة كانت.
إذا استمررنا بتكريس هذه التفاوتات الغبية في ما بيننا ، فسننتهي بأن نخسر أيّ روح أخويّة تجمعنا. هذه الروح وإن رأى البعض فيها هدفاً سياسياً سخيفاً، فهي لا تقل عن كونها شرطاً اساسياً لقيام السياسة بحدّ ذاتها. فكلنا يعرف منذ امدٍ بعيد أنّ ايّ مجموعة بشرية تقوم في تكوينها على شعورها، المتوارث عبر الأجيال، بمستقبل مشترك والتزام متبادل. من هنا فإن عدم المساواة يتعدى كونه مزعجاً أخلاقياً ليصبح آفة غير فعالة.

علينا أن نعيد التفكير في تدخل الدولة ـ أي دولة حديثة لا يمكنها أن تتخلى عن مواطنيها ـ اليمين ورث الطموح الجامح للتدمير والإبداع باسم مشروع عالمي كبير ـ تصوير الديموقراطية الاجتماعية على أنها المستقبل، أمر جميل، لكنه مضلل ـ عدم المساواة داخل المجتمعات هو من أنتج هذا الكم من الأمراض الخطيرة، والمجتمعات التي يسود فيها تفاوت وحشي هي مجتمعات غير مستقرة.
علينا الالتفات أكثر الى الدور الذي يمكن ان تضطلع به الدولة. فالنجاح الذي حققته الاقتصادات نصف الموجهة خلال السنوات الخمسين الأخيرة دفع الجيل الجديد للاعتقاد ان الاستقرار أمرٌ بديهي ودفعه للمطالبة بإلغاء « العقبات » التي تشكلها الضرائب والشروط التنظيمية، وبشكل عام أيّ وجه من أوجه تدخل الدولة.
وحدها السلطات الهامة تستطيع التصدي للمشاكل المنبثقة عن المنافسة العالمية على نطاقها الواسع. فمثل هذه المشاكل يصعب فهمها، وبالتالي مقاربتها وتحديد العلاج اللازم لها، من قبل شركة خاصة او قطاع منفرد. وليس من قبيل الصدفة أن يتوجه الإصلاحيون في نهاية العصر الفيكتوري وخلفاؤهم في القرن العشرين الى الدولة بحثا عن العلاج لإخفاقات السوق. فما لم نستطع توقع ولادته « بشكلٍ طبيعي » - لكون « المسألة الجتماعيّة » هي من نتاج الحركة الطبيعيةّ للسوق - كان عليه ان يكون مخطّطاً له ومداراً، وان يكون عند الضرورة، مفروضا من الجهات العليا.
نواجه اليوم معضلة مماثلة. فالتجاوزات الحاصلة في الأسواق المالية تفترض تدخلاً سريعاً من الدولة. لكننا، منذ العام 1989، عندما سقطت شيوعيّة الدولة، ونحن نهنئ أنفسنا بالهزيمة النهائية التي منيت بها الدولة « القاهرة »، لدرجةٍ أصبح فيها من الصعب علينا ان نقتنع بضرورة تدخلها.
علينا ان نعيد التفكير بتدخل الدولة؟ كيف بإمكاننا، مع ثقل الأسطورة السلبيّة التي تحيط بها، ان نعيد تعريفها وتحديد دورها؟ علينا ان نبدأ بالاعتراف، باندفاعٍ أكبر من اندفاع اليسار حتى الآن، بالضرر الجسيم الذي تسبب به، ولا يزال، أصحاب السلطة. وهذا ما يطرح مسألتين مثيرتين للقلق.
الاولى تتعلق بمفهوم الإلزام او الإكراه. والحرية السياسية لا تفترض التخلي المطلق من جانب الدولة. فأي دولة حديثة لا يمكنها أن تتخلى عن مواطنيها، من هنا يصبح مفهوم الحرية هو حفاظ الدولة على حقنا في الاختلاف مع أهدافها والتعبير عن همومنا وتطلعاتنا دون خوف من الملاحقة. إنها لمسألة معقدة ، فحتى الدول التي تملك نيات حسنة لا ترى بالضرورة بإيجابيّة ان تسير شركات ومجموعات وحتى أفراد في اتجاه مناقض لرغبات الأكثرية. لا ينبغي التحجج بفعالية الدولة لتبرير التفاوت الفادح في المجتمع، كما لا ينبغي أن تستخدم هذه الفعاليّة لإسكات الآراء المتباينة باسم العدالة الاجتماعيّة. من الأفضل ان نعيش أحراراً، من ان ننضوي تحت سلطة دولةٍ فعّالة، مهما كان لونها السياسي، اذا ما كنت فعاليّتها تلك ترتّب علينا ثمناً مماثلاً. أمّا الاعتراض الثاني الذي يعتمد لمواجهة فكرة تدخل الدولة، فهو انّها عرضةُ للخطأ. العالم الاجتماعي الأميركي جامس سكوت تحدّث بحكمة عن حسنات ما يمكن ان نسميه « المعرفة المحليّة ». فكلما كانت تركيبة المجتمع أكثر تعقيداً ومتعدّدة الألوان، ازدادت امكانيّة ان يجهل من هم في السلطات العليا، حقيقة من يعيشون تحت سلطتهم.

جهود قرن بأكمله

تتركز مهمتنا الأولى على استعادة الإنجازات التي تحققت في القرن العشرين. فإذا ما سارعنا في تفكيكها وهدمها، فلن ننجو من تبعات ذلك. صحيح ان العودة إلى الماضي قد تكون أقل إثارة من التخطيط لمغامرات راديكالية جديدة. لكن الجواب يبقى في ما قاله الفيلسوف السياسي البريطاني جون دون، بأن الماضي أفضل قليلاً من المستقبل : اذ نراه بوضوح أكثر.
فلنكن واضحين من البداية، على اليسار ان يحتفظ ببعض مسلّماته. بمعنى آخر، لطالما ارتبطت الراديكالية بفكرة الدفاع عن القيم : فغضب راديكاليي القرن التاسع عشر في فرنسا وبريطانيا تغذى باعتقادهم ان الحياة الاقتصادية محكومة بمنظومة من القيم رمى بها عالم الرأسمالية الصناعية الجديد عرض الحائط. هذا الإحساس بالخسارة - إضافة إلى المشاعر الثورية التي انبثقت عنه - هو من ألهم الطاقات السياسية للاشتراكية الأولى.
نحن نعتبر اليوم المؤسسات والقوانين والتشريعات والخدمات والحقوق التي ورثناها من حقبة الاصلاحات الكبرى التي شهدها القرن العشرون مكتسباتٍ بديهيّة. لا بد من ان نتذكّر أن كل هذه المكتسبات كانت قبل العام 1929 خارج حدود التصور والتحقيق. لذا فنحن المستفيدون المحظوظون من تحول كان حجمه ومفاعيله غير مسبوقة. بالتالي، هناك الكثير لندافع عنه.
مؤيّدو التشدد في اقتصاد السوق هم الذين يتبنّون منذ مئتي عام، بتفاؤل قاطع فكرة ان كل تغيير اقتصادي يطال السوق لا بدّ من أن يكون مفيداً. اليمين هو من ورث هذا الطموح التقدمي الجامح للتدمير والإبداع باسم مشروع عالمي كبير. فمن الحرب على العراق الى الرغبة الأحادية الجانب بتفكيك التعليم الرسمي والخدمات الصحية وصولاً إلى خطة رفع القيود المالية التي ينتهجها منذ عقود، تخلّى اليمين السياسي، من ثاتشر وريغان إلى بوش وبلير وبراون، عن هذا الربط بين المحافظة السياسية والاعتدال الاجتماعي، الذي لطالما خدمه.
وإن كان صحيحاً ما أشار إليه الفيلسوف البريطاني برنارد ويليامز بان أفضل مدافع عن مبدأ التسامح هو « الشرور التي تظهر في حال غيابه »، يمكننا أن نطبّق المقولة ذاتها على مفهوم الديموقراطية الاجتماعية ودولة الرفاه. جيل الشباب اليوم يجد صعوبة بالغة في تصور ما كانت عليه الحياة في ظل غياب هذين العنصرين. لكن ان لم يكن بمقدورنا انتاج خطابٍ تبريري فاعل - وكانت رغبتنا بوضع نظرياتٍ حول افضل ما تنتجه فطرتنا لا تعيننا كما يجب - فلنتذكر على الأقل ما قد يكلفنا اياه الابتعاد عن هذين المفهومين، وهو أمر أثبته التاريخ مراراً.
جل ما يمكن أن نأمله في الوقت الراهن هو هذه التحسينات الطفيفة التي نجريها في بعض الظروف غير المرضية، ولا يجدر بنا ان نتطلع إلى أمر آخر . فغيرنا قضى ثلاثين عاماً في تدميرها بشكلٍ ممنهجٍ ومنظم : وهو ما يفترض به أن يثير غضبنا فعلاً.
ان نضع حداً نهائي لما أنجز من جهود خلال القرن الماضي لهو محض خيانة لمن سبقونا وللأجيال القادمة. تصوير الديموقراطية الاجتماعية على انها تمثل المستقبل الذي نحلم به في عالم مثالي أمر جميل لكنه مضلل. والإصرار على هذا التصور هو بمثابة العودة إلى حكايات خرافية فقدت مصداقيتها اليوم. فالديموقراطية الاجتماعية لا تمثل مستقبلاً مثالياً كما انها لا تمثل ماضياً مثالياً. لكنها تعد أفضل الخيارات المتاحة لنا في المرحلة الراهنة.
هل ما زال بإمكاننا تحمل برامج التقاعد العالمية وإعانات البطالة والفنون المدعومة والتعليم العالي أو أنّ هذه المعونات والخدمات اصبحت مكلفة جداً؟ فهل يعتبر نظام الحماية والخدمات « من المهد إلى اللحد » أكثر « إفادة » من مجتمع يقوده اقتصاد السوق حيث يتقلص دور الدولة إلى أدنى حد ممكن؟

« سحر » الاشتراكية

الجواب يعتمد على التعريف الذي نعطيه لكلمة « فائدة » : فما هو المجتمع الذي نريد وما هي الترتيبات التي قد نعتمدها كي نعطيه الحياة؟ من هنا تنبغي إعادة التفكير في مسألة « الفائدة ». وفي حال استكنا لمشاكل الكفاءة والإنتاجية الاقتصادية وتجاهلنا الاعتبارات الأخلاقية والأهداف الاجتماعية الأوسع فلن نأمل بإيجاد الجواب أبداً. لقد افتتن اليسار لفترة طويلة برومانطيقيات القرن التاسع عشر متحمساً للتخلص من العالم القديم وتقديم نقد جذري لكل ما هو قائم. انّ نقداً على هذا المستوى هو بمثابة شرط أساسي لإحداث تغيير في العمق، لكنه قد يدفعنا إلى ضلال خطير. ففي القرن التاسع عشر، رمى التاريخ بوزنه كاملاً، بشكل غير مريح، على أكتاف جيلٍ متعطش إلى التغيير. هذا ولا ننسى أن المؤسسات في الماضي كانت عقبة في وجه أي تغيير. اما اليوم فنحن نملك كل الأسباب الوجيهة التي تدفعنا الى إعادة التفكير بطريقة مختلفة، فنحن مدينون لأطفالنا بعالم أفضل مما ورثناه، وكذلك نحن مدينون إلى حد ما لمن سبقونا.
على أي حال، لا يمكننا ان نقتصر مفهوم الديموقراطية الاجتماعية على المؤسسات المفيدة وذلك بهدف الاحتماء من خيارات أخرى تعد أكثر ضرراً. وتكفي لغة السياسة التقليدية لكشف جوهر الخطأ في حياتنا : نحن على دراية بما يدور من قضايا الظلم وغياب العدالة وعدم المساواة وانعدام الأخلاق وغيرها، لكننا نسينا كيف نتكلم عنها.
« ان ما يدفع عامة الناس الى الاشتراكية، ويجعلهم قادرين على بذل حياتهم لها، أي باختصار « سحر » الاشتراكية، هو فكرة المساواة » بحسب ما ما قاله جورج اورويل. وهذه هي الحال اليوم. فعدم المساواة التي تزايد بين المجتمعات وداخل المجتمعات نفسها هو من أنتج هذا الكم من الأمراض الاجتماعية الخطيرة. فالمجتمعات التي يسود فيها تفاوت وحشي هي مجتمعات غير مستقرة. وهي تعاني من الانقسامات التي تولد الصراعات عاجلاً أم آجلاً. من هنا نضطلع نحن، كمواطنين أحرار، بمسؤولية أن ننظر إلى مجتمعنا نظرة نقدية. لكنه أمر لا يكفي. وإن كنا نعتقد اننا نعرف ما الخطأ في هذا المجتمع، فيجب علينا ان نتحرك وفق هذه المعرفة. فالفلاسفة، كما يقول كارل ماركس، اكتفوا بتفسير وتحليل العالم بطرق مختلفة. إلا أن المهم هو تغييره.

المرجع : لو كورييه انترناسيونال

<FONT color=#ff0000 face=Arial>Pétition
Non au terrorisme de l’Etat d’Israël
<A href="http://www.aloufok.net/spip.php?article2">http://www.aloufok.net/spip.php?article2