Al-Oufok

Site du Mouvement Démocratique Arabe

Accueil > Culture > <DIV align=left dir=rtl>محيـي الديـن اللبّـاد وثقافـة العيـن</DIV>

<DIV align=left dir=rtl>محيـي الديـن اللبّـاد وثقافـة العيـن</DIV>

dimanche 19 décembre 2010, par فواز طرابلسي

فواز طرابلسي

« إن عشقنا فعذرنا أن في وجهنا نظر ».
عندما استعذر محيي الدين اللباد للعشق بحاسة النظر أراد اكثر من المعنى المباشر لبيت من شعر الأخطل الصغير غناه محمد عبد الوهاب. أراد ان العين مبتدا العشق، لأنها مرآة الجمال. ولنلاحظ انه تحدث عن « عشق » لا عن « حب ». وقال « نظر » بدلا من « بصر ».
بيت الشعر هذا يافطة خط عليها محيي الدين اللباد عنوان مشروع وهب له الحياة كلها. هو مشروع إحياء فن النظر وثقافة العين في عالم عربي تطغى عليه الثقافة الشفوية او اختلطت المرئيات عنده او شحّ منه النظر فبات بحاجة إلى منشطات ليستعيد كل ما تملكه العين من إمكانات ومتع.
على تنوع مواهبه واهتماماته ومنتجاته، ظل محيي الدين اللباد طوال حياته يؤلف كتابا واحدا ويضيف اليه الصفحات والرسوم والزخارف. انه « كتاب العين ». ولا اعتذار من الأصمعي صاحب كتاب بالعنوان ذاته. يؤلف الأخير في لغة الكلمات. وصديقنا يعمل على لغة بلا كلمات. لا يكتفي بتراكيب الخطوط وانعكاس المسطحات والأجسام وأحجام الكتل وموشورات الضوء وهالات الألوان وتدرجات الشفافية والظلال. يضيف اليها ما يؤلفه وينحته من عندياته.
هو كتاب بسيط يتوجه إلى القارئ لتحريضه على ثلاثة :
ـ ان يمارس الانتباه والملاحظة المستمرة بعينيه.
ـ ان لا يهتم بالشكل وحده بل بما وراءه.
ـ ان يظل يستبين العلاقات بين الأشياء.

تحرير العين
أول التفكير تمييز. والنظر تمييز بامتياز. يبدأ اللباد من البداية. الغربيون ينظرون ويقرأون ويكتبون من الشمال إلى اليمين. والعرب ينظرون ويقرأون ويكتبون من اليمين إلى الشمال. ليس يفيدنا عما يستتبع ذلك الفرق، اللهم الا اصراره على ان تُقرأ كتُبُه المترجمة إلى اللغات الأجنبية من اليمين إلى الشمال. يدهمنا بسؤال : كيف يحلُم العرب؟ ويجيب : لعلهم يحلمون ايضا من اليمين إلى الشمال.
لاستقامة النظر، يتوجب تحرير العين العربية من « العين الغريبة » وحمايتها من « صيبة العين ». يسلط محيي الدين اللباد سوط النقد على النتاج الاستشراقي في الفن الغربي بما يضمره او يفصح عنه من تخييل كولونيالي وتعال عنصري على العرب وأهل « الجنوب » عموما. لكنه يدرس ايضا كيف صوّر أهل الجنوب أهل الشمال. فالغاية تحذير الشرقيين من ان يستشرقوا. ينقد أبطال القصص الأجنبية المصورة. وفي مواجهة « سوبرمان » و »باتمان » يدعو لروايات وأشرطة مصورة تروي حكايات ابطال عرب من التاريخ والمخيلة.
يدرس الخط العربي بما هو خاصة جمالية من خواص الثقافة والحضارة العربيتين. يدعو لاحيائه بكافة خطوطه ومدارسه. نبّه باكرا إلى الجمالية الاستثنائية والطواعية العظيمة التي يتمتع بها للخط الكوفي القابل لكل أنواع التجريب والاستخدام. ولفت إلى ان الخط اداة تصوير ايضا : البسملة التي تتشكل بما هو إجاصة او نعامة، « الطغراء » التي يحررها الفنان من الهيمنة الدهرية للسلاطين ليضعها في متناول الناس : بصمة شخصية او عنصرا في زخرفة او تزويق.
وعين الفنان النقدية عين تضامنية. فمحيي الدين اللباد الذي شبّ في ظل التجربة الناصرية ونضال حركات التحرر الوطنية والاجتماعية في القارات الثلاث وانحاز يسارا، أراد أن يكون الفن مثل الماء والخبز والعشق في متناول الجميع. اختار قصدا اشكال التعبير الفني الأيسر وصولا للناس والأسهل رواجا، من كتب الأطفال واليافعين والشرائط المصورة إلى الملصقات ومنوعات الفن المطبوع. ولا غرابة ان نعرف بولهه الكبير بما تبتكره العبقرية الشعبية من أقنعة افريقية وسجاد يحوكه اطفال مصر او متواليات الألوان البدائية الزاهية على جدران البيوت الفلاحية او تحنية الكفين والقدمين عند أهل الخليج رأى فيها الفنان المرأة وقد تحولت إلى عمل فني.
ويبقى أن أبرز مساهمات محيي الدين اللباد هو في التصميم الكتبي الحديث. هنا ايضا، يعود للتراث من أجل اجتراح « حداثة ممكنة » ومرغوبة.
الكتاب العربي القديم مثل البيت العربي، يقول. تطالعك خضرة صحن الدار ورطوبة نوفرة الماء وهناءة الفيء قبل ان تستقبلك عبارات التأهيل. « أهلا وسهلا » يقول لك الغلاف وعنوانه والصورة التي تزينه. « شرّفنا بالقراءة »، يدعوك التصميم والخط والزخرفة والتزويق.
يكتب اللباد ملاحظا ان كتبنا في الماضي كانت اجمل وأرحب. كان الكاتب او الناسخ يكتب على ثلاثة أرباع الصفحة ويترك ربع الصفحة الباقي بياضا للقارئ يكتب عليه. يستعيد اللباد في ممارسته الغرافيكية هذا التقليد ويطبّقه. انظره مثلا في المجلدات السبعة البديعة من سلسلة كتب « التراث العربي »، التي أصدرها في باريس مع فاروق مردم والياس صنبر.
هذا هي المجاورة بين الكاتب والقارئ. والكتاب عند اللباد ضيافة ومجاورة. وهكذا يصير الكتاب « خير جليس في الأنام ».

طفل مشاغب
يأبى هذا الصنايعي المتواضع الا أن يشارك. لا يكتفي بتسمية معلميه، تعبيرا عن عرفان بجميل، ينظّم دورات تدريب لصنايعيين شباب ينقل اليهم تجاربه ويشاركهم التخييل والابتكار والتجريب وهو « الشيخشاب » بينهم، كما يسمي نفسه. فهو يعلم جيدا ان الصنايعي لا تكتمل له شخصية ولا يبرع في « الكار » إلا عندما ينتظم في سلك الحرفة. فلا يكتفي بالتعرف إلى ملهميه وزملائه، يتبرع بالتعريف بهم للقراء من غرافيكيين ورسامي كاريكاتور وأشرطة مصورة، عربا وأجانب.
وفي ثقافة العين عند اللباد ما هو أكثر من ذلك.
لأن النظر حاسة. والعين تتحسس. يلامس النظر الأشياء لمساً، متحسساً ملمسها واللميس. يدعوك الفنان إلى قصر الحمراء بغرناطة الأندلس لتلمس بعينك بالعين المقرنصات في زوايا البناء ناتئة مكورة متراكبة مثل انصاف خلايا نحل، قبل ان يطــــلب منك أن تخفــــض نظرك إلى أسفل لتتلمس بالعين سطح الجدار وقد اخشوشن بالنقش والرقش والنمنمة.
وليست الواقعية مقصد الفنان. فالحسي في التصوير ليس هو الحسي في الإنسان او الطبيعة. والحسي في الصورة الفوتوغرافية ليس هو الحسي في الصورة الفنية. يريك اللباد صورة بطة من روائع الصور التي تزين مخطوطة كتاب « الحيوان » للجاحظ. ويحذرك على مذهب مارسيل دوشان والسورياليين قائلا : « هذه ليست بطة » ! او هو يعرض عليك صورة تمثال حمار من نحت آدم حنين مركوز في حقل وإلى جانبه حمار طبيعي يرعى العشب، ليحذّرك : إياك ان تخلط بين حمار الفن وحمار الحقل.
والحسي هو التخييل وهو الشعر. وحسية العين قابلة لأن تجمّع عدة حواس في حاسة واحدة. بالنظري يكتشف فناننا شميم الاشياء. يستطيع ان يشمّ الروائح في الصور والبطاقات البريدية التي كان يجمعها بشغف.
هذا أريج ورد يفوح من دكان عطارة مغربي في بطاقة بريدية.
وهذا شميم لوز أخـــضر مخلــــوط بروائح خشب قديم مبلل بالماء في صورة مئذنة.
وهذه رائحة اليانسون تتضوع من منظر واجهة مدينة ساحلية.
رحل هذا « الشيخشاب » قبل الأوان.
هذه الأسطر غصة ثلاثة عقود وأزود من صداقة ما شابها الا تقطع السفر وتباعد المسافات. بدأت عندما انتخب محيي الدين زوجتي نوال لتزيين كتب الأطفال في « دار الفتى العربي » وقطعها الموت وابنتي جنى تتهيأ لرحلة تدريب إلى مرسمه في القاهرة. يحضرني طيف محيي الدين اللباد الآن كما كان يحضر في حياته طفلا مشاغبا يسكن قامة جبارة تخف حتى تكاد تمحي لفائض الدماثة ورقة الحساسية وشفيف العشق. الأمر الوحيد الثقيل في محيي الدين اللباد هو الارث الذي يلقيه علينا وعلى جميع من يهتم بالعين العاشقة : ان نواصـــل جهاده الأكبر من أجل نشر ثقافة العين وتنمية ثقافة العين.

ألقيت في حفل تكريم الفنان محيي الدين اللباد، معرض الكتاب العـربي، بيروت، 12 كانون الأول 2010.

<FONT color=#ff0000 face=Arial>Pétition
Non au terrorisme de l’Etat d’Israël
<A href="http://www.aloufok.net/spip.php?article2">http://www.aloufok.net/spip.php?article2