Al-Oufok

Site du Mouvement Démocratique Arabe

Accueil > En arabe > النهضة العربية العاثرة واستعصاءاتها المزمنة

النهضة العربية العاثرة واستعصاءاتها المزمنة

samedi 21 mars 2009, par Karam Al Helou

كرم الحلو

لماذا تأخر العرب ولماذا تقدم غيرهم وكيف ينهضون من جديد؟
سؤال إشكالي مركزي شغل الفكر العربي الحديث منذ أواسط القرن التاسع عشر. طُرح بصور وأشكال شتى مع رفاعة الطهطاوي وأحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني وفرنسيس المراش وابراهيم اليازجي ومحمد عبده، ثم مع شبلي الشميل وفرح انطون ورشيد رضا وأمين الريحاني. وقد صاغه الأمير شكيب أرسلان في كتيب صدر عام 1940 تحت عنوان « لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ ».
السؤال نفسه ما زال مطروحا الآن وبشكل أكثر إلحاحا وإرباكا، اذ قد مضى قرابة القرنين على بدء النهضة العربية وما فتئ العرب يدورون في الدوامة نفسها، ولا يبدو ان ثمة ما ينبئ بما يفضي الى مسار جديد وأفق مختلف. ومما يزيد من وطأة التساؤل والإرباك ان سوانا أو ممن تأخروا عنا في انفتاحهم على الحداثة وصلوا وحققوا نهضتهم المنشودة ووطّدوا مكانتهم بين الأمم المتقدمة. فقد تمكن الأوروبيون، بعد قرون من الحروب الدينية والأهلية والقومية المدمرة، من ان يشيدوا صرح الحضارة الأوروبية العظيم. وكان أكثر ما تمثل ذلك في القضاء على الأمية. فعام 1680 توصلت السويد الى محو أمية ثمانين في المئة من السكان، وكذلك حققت انكلترا في القرن السابع عشر، وفرنسا في القرن الثامن عشر، وروسيا في القرن التاسع عشر، محو أمية نصف السكان.
واستطاع بضعة آلاف من الطلبة أوفدتهم الولايات المتحدة الى أوروبا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر أن يطلقوا نهضتها الجبارة، فتوالت الاختراعات بتصاعد هندسي مذهل وصل الى 39882 اختراعا بحلول عام 1920. وحتى نهاية القرن التاسع عشر كان اليابانيون على هامش الحضارة الانسانية، ولم يكن عدد اليابانيين الذين سافروا الى الخارج يتجاوز الثلاثمئة شخص. اذ ذاك قال لهم أحد أباطرتهم : « أريدكم أن تذهبوا الى انكلترا وفرنسا والمانيا واميركا وان تأتوني بالعلم الغربي كله ! لا أريد بعد اليوم أن تظل اليابان متخلفة عن العالم المتحضِّر. وأريد نتائج سريعة قدر الإمكان ».
إزاء هذه الثورة النهضوية في الغرب ظل العالم العربي يلوك تخلفه. فبالمقارنة بين مصر واليابان، نرى ان اليابان توصلت في نهاية القرن التاسع عشر الى محو أمية 96 في المئة من السكان، فيما هذه النسبة لم تبلغ في مصر آنذاك، سوى 8 في المئة للذكور و3 في المئة للإناث. والأدهى والأمرّ ان نسبة الأمية في العالم العربي وفي مصر بالذات بلد محمد علي، لا تزال حتى السنوات الأولى من هذا القرن بحدود 30 في المئة، وفق تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة لعام 2008. وقد عجز آلاف الخبراء الأجانب الذين بدأوا يتوافدون الى العالم العربي قبل النهضتين الأميركية واليابانية بنحو نصف قرن، من تحقيق أي تحول نوعي في واقع النهضة العربية. ولم يتمكن قرابة 40 ألف باحث عربي عام 1980 من إحداث أية إنجازات ذات شأن على الصعيد العلمي، بينما استطاع أكثر من ضعفي هذا العدد بقليل من الباحثين في الغرب عام 1940 من انجاز أكثر الاختراعات والاكتشافات العلمية في عالمنا المعاصر. ما يبرر التساؤل : هل ان ثمة استعصاء نهضويا عربيا حال إذاً دون تقدم العرب وولوجهم عالم الحداثة والتقنية، مع ان التعليم الجامعي العربي في اطراد مستمر، حيث ارتفع عدد الجامعات العربية من 23 جامعة مطلع الستينيات الى 240 جامعة حاليا تضم قرابة أربعة ملايين طالب و140 الف استاذ جامعي، بالاضافة الى طلبة الدراسات العليا في الخارج الذين قدروا عام 1996 بأكثر من 179 الف طالب. لكن التضخم في عدد الجامعات والجامعيين، والمبالغ الباهظة التي تصرف على التعليم العالي، والتي بلغت عام ألفين قرابة الستة مليارات دولار أميركي، تبقى حتى الآن من دون مردود كبير، ان لجهة عدد الأبحاث الأكاديمية أو لجهة الاختراعات. فمقارنة مع اسرائيل مثلا نرى ان الانتاج العلمي العربي مجتمعا لم يتجاوز 40 في المئة من الانتاج العلمي في اسرائيل، التي بلغت براءات الاختراع الممنوحة لكل مليون نسمة فيها 48 براءة، بينما هذه النسبة لا تتعدى الواحد في المئة في أكبر الدول العربية وأعرقها نهضويا، أي مصر. هذا فيما تقدر هجرة الكفاءات العربية الى الخارج بـ31 في المئة من مجموع هجرة الكفاءات من الدول النامية، وتقدر بعض الاحصاءات كلفة هجرة هؤلاء، الاقتصادية والاجتماعية، بنحو 200 مليار دولار سنويا.
هذا الاستعصاء المزمن على المستوى العلمي تقابله استعصاءات موازية على المستويات التنموية والاجتماعية والسياسية. فالعالم العربي بكل ما يملكه من مميزات جغرافية وطاقات وموارد اقتصادية وبشرية ـ 10,2 من مساحة العالم، 5 في المئة من سكانه، 59,3 في المئة من احتياطي النفط العالمي، 30,5 في المئة من احتياطي الغاز ـ لم يحل دون وقوع غالبية الاقطار العربية في المستويات الدنيا من الناتج للفرد في العالم، نظرا لضآلة الطبقة العاملة والمشاركة المحدود للمرأة العربية في العمل ـ الأضأل في العالم حتى بالنسبة الى الدول النامية والمتخلفة ـ ويبقى الدخل العربي الاجمالي مجتمعاً، دون دخل اسبانيا وحدها، وهي دولة أوروبية متوسطة. هذا فضلا عن وجود مئة مليون عربي تحت خط الفقر، ونسبة بطالة تتجاوز الـ20 في المئة، ومئة مليون أمي من البالغين، علما بأن 45 في المئة من العرب هم من الأطفال ـ 15 سنة وما دون.
من الناحية السياسية ظل العرب في منأى عن التحول الديموقراطي الذي بدأ يكتسح العالم منذ نهاية الثمانينيات، فبقيت الأنظمة الاستبدادية هي المسيطرة، ولم يعترف بالدولة المدنية الحديثة وتداول السلطات والمساءلة الدستورية وحقوق الانسان والمواطن، وعادت العصبويات القروسطية ما قبل الوطنية وما قبل المدنية الى الانبعاث من جديد، وتهديد الاندماج الوطني والقومي. كما استمر التعامل مع المرأة من موقع الدونية، فبقيت حقوقها عرضة للانتهاك، ومشاركتها في الحياة الاقتصادية والسياسية الأضأل في العالم، على الرغم من انصرام مئة وستين عاما على خطاب بطرس البستاني في تعليم النساء، وحقوقهن الطبيعية غير القابلة للانتقاص، وجدارتهن في المساواة مع الرجل في ميادين عدة.
إزاء هذا الإخفاق النهضوي المتواصل يتبادر الى الذهن التساؤل الذي طرحه شاكر مصطفى مطلع السبعينيات من القرن الماضي، إذ قال : « لماذا تطلب وفاق العرب مع العصر كل هذا الوقت الطويل ودون جدوى؟ هذا السؤال المصيري النازف كالجرح في ضمير كل عربي ملتزم، اذا كان لا يزال يأخذ يوما بعد يوم أبعادا مأساوية متزايدة، فلأنه قد مضت على ارتطام هذه الأمة بالحضارة الحديثة وبمعطياتها وآلاتها سنون عديدة. معظم الأقاليم العربية انطلق قبل الصين، بعضها قبل روسيا، وبعضها قبل اليابان. ومع ذلك فهذه الأمم وصلت، كلها وصلت. بينما لم يصل أي إقليم عربي طليعي الى أي شيء بعد. مأساوية السؤال تنبع من احتمالات الأجوبة عنه : فهل بلغت الأمة حقا مرحلة الشيخوخة، وهل هي حقا الى الادبار والعقم الحضاري؟ أم انها أضاعت الطريق؟ أم ثمة من الأمراض المعقدة ما يشل المفاصل ان تسير السير الذي يقتضيه ايقاع العصر؟ تلك هي المسألة ».
في مواجهة هذه الاسئلة المربكة، القديمة والمتجددة، ذهب إصلاحيو النهضة العربية الى ان العلة في انحراف العرب عن النهج السويّ الذي رسمه الكتاب المبين، ورأى الليبراليون أن تأخر هؤلاء مردّه الى الجهل المستحكم، ولا بأس من اقتباس حضارة الغربيين ونظرتهم العلمية للكون، ومبادئهم في الحرية والمساواة والدستور، واتجه العقلانيون النقديون بعد هزيمة حزيران 1967 الى القاع الثقافي بوصفه مكمن العلة في المأزق النهضوي العربي، حيث عمد عبد الله العروي ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري وأدونيس وهاشم صالح وغيرهم، الى نقد الابنية الثقافية العربية التي هي في نظرهم الأساس الفعلي للمحنة الحضارية التاريخية، بهدف تأسيس رؤية عقلانية للانسان والمجتمع والتاريخ متحررة من اليقينيات السائدة، رؤية تجديدية تجد في الثقافة، الاجابة الحاسمة عن السؤال النهضوي المؤجل : لماذا تأخر العرب وتقدم سواهم؟
وإذا كان عبد الله العروي هو الرائد في اختطاط هذا المنهج في كتابه « الايديولوجية العربية المعاصرة » حيث طرح التقويم الايديولوجي لنكسة حزيران 1967، فإن مشروعي محمد أركون ومحمد عابد الجابري يظلان في طليعة المشاريع النقدية العربية المعاصرة التي قاربت التخلف الحداثي العربي من منظور نقدي يرى أصل الخلل في « العقل العربي ». حيث وجّه الجابري إصبع الاتهام الى « القوة أو الملكة أو الأداة التي يقرأ بها العربي ويحلك ويفكر ويحاكم، أي العقل العربي ذاته ».
وفي هذا الاتجاه ذهب محمد أركون الذي اعتمد مفهوم « العقل الإسلامي » باعتبار « العقل العربي » منضويا تحت هذا المفهوم، اذ انه « عقل ديني » أو لم يتجاوز بعد المرحلة الدينية من الوجود. وهذا العقل هو قواعد وتصورات ومبادئ فاعلة من الواقع الاجتماعي، منتجة له، الأمر الذي لا بد من مواجهته بثورة فكرية يجب أن « تذهب الى أعماق الأشياء وتغيِّر منظورنا جذريا للتراث » فتجعله « قوة تحريرية » تساعدنا على الاقلاع والانطلاق الحضاري، بدل ان يبقى قوة معيقة تشدنا الى الخلف في كل مرة.
وهكذا فإن الاشكال النهضوي يغدو في سياق رؤية أركون والجابري انعكاسا للأنماط الثقافية العربية السائدة، باعتبارها أنماطا مفارقة للواقع ولا تواكب تحولات العصر. ومن ثم فإن الأزمة الحقيقية كامنة في هذه الأنماط والأبنية الثقافية التي لم تكن لتفرز إلا واقعا متأزما ومترديا. هنا يلتقي المفكران حول أطروحة مفادها ان قيام حراك في الابنية الثقافية العربية يعد الشرط الضروري لقيام حراك اجتماعي ايجابي يخرج المجتمع العربي من وضع الانتكاس الى وضع الثورة أو التحرر والتنمية.
لكن ما مدى نجاعة هذه الرؤية النقدية في حل اشكال النهضة العربية المزمن؟ هل في وسع مشروعي أركون والجابر تجاوز العقبات التاريخية التي حالت دائما دون وفاق العرب مع الحداثة وانخراطهم في ثورتها العتيدة؟ وهل لاقت أطروحاتهما ما كان يتوقعانه من تأثير حاسم في الفكر العربي يمهِّد لتحوّله في اتجاه النهضة؟
أسئلة تبقى هي الأخرى معلّقة ومن دون اجابة.

كاتب لبناني

<FONT face=Arial color=#ff0000>Pétition
Non au terrorisme de l’Etat d’Israël
<A href="http://www.aloufok.net/spip.php?article2">http://www.aloufok.net/spip.php?article2
 
***
 
<FONT face=Arial size=2>Participez à la liste de Diffusion
<FONT color=#ff0000 size=4>" Assawra "
S’inscrire en envoyant un message à :
<A href="mailto:assawra-subscribe@yahoogroupes.fr">assawra-subscribe@yahoogroupes.fr