Al-Oufok

Site du Mouvement Démocratique Arabe

Accueil > Liban > <DIV align=left dir=rtl>ربيع العرب في بيروت : إسقاط النظام الطائفي</DIV>

<DIV align=left dir=rtl>ربيع العرب في بيروت : إسقاط النظام الطائفي</DIV>

lundi 7 mars 2011, par بسّام القنطار

بسّام القنطار

من مئات إلى ألوف، ومن جنوب بيروت إلى شمالها، انتقلت تظاهرات المطالبة بإسقاط النظام الطائفي بزخم شبابي، في ظلّ ثورات عربية قدّمت نماذج ناجحة في القدرة على تحقيق... المستحيل
بعد تظاهرة 27 شباط من جهة الجنوب، دخلت تظاهرة « إسقاط النظام الطائفي » بيروت، أمس، من جهة الشمال. تبدّل المشهد بين التظاهرتين. المئات أصبحوا ألوفاً، وزاد من زخمهم حضور كثيف من مناطق شهدت انطلاق اعتصامات مفتوحة ونصب خيم في الساحات العامة. « 14 و8 عملوا البلد دكّانة »، هتف الشباب بأعلى أصواتهم. لم يجرؤ أيّ من أنصار الفريقين الذين شاركوا في التظاهرة على أن يعترض على هذا الشعار. ولم يجرؤ أيّ من الاحزاب على أن يرفع علماً أو يُظهر شارة حزبية على رأسه. وسط شارع الجمّيزة، وعلى بعد أمتار من شركة كهرباء لبنان، تعلن شابة تحمل الميكروفون : « وصل عددنا إلى 20 ألفاً ! ».
إعلان استدعى موجة من الهتاف والتصفيق ترافقت مع أغنية « يا ثوار الأرض » من مكبّرات الصوت. والواقع أنّ قرابة ثمانية آلاف متظاهر شاركوا أمس، لكن، « شو الفرق بيننا وبين جماعات 14 و 8 آذار إذا أصررنا على تضخيم الأعداد، كنّا كتير حلوين وفرحانين، نهار كبير كان ورائع، والمهم نكمل بالروح الطيبة »، تقول إحدى المشاركات على موقع مجموعة من أصل 7 مجموعات لبنانية « فايسبوكية » تطرح شعار إسقاط النظام الطائفي، وتضم ما يزيد على 50 ألف مشارك.

أبونا غريغوار

وصيّة غريغوار حدّاد للمتظاهرين مختصرة : « لا حزبية، لا عنصرية، لا عنفية، غيّروا النظام بالطرق السلمية ». غادر « أبونا غريغوار » صومعته في بيت السيدة في الحدث، وحضر الى الدورة ليكون على رأس المتظاهرين، وإن من داخل السيارة، مثقلاً بأعوامه الـ 87. تدمع عينا المطران عندما تسأله عن شعوره وسط تظاهرة تنادي بإسقاط النظام الطائفي، وتطالب بدولة علمانية تساوي بين جميع المواطنين. فالرجل أفنى سنوات عمره من أجل هذه القضية، من أجل أن يؤكّد أن العلمانية قيمة إنسانية، وكثيراً ما عبّر عن خوفه عليها من الذين يقصرون عن فهمها الحقيقي. يقول « المطران الأحمر » إنّ ما يقوم به الشباب « جيّد جداً، وهو على الطريق الصحيح للتغيير، لكنه ككل شيء في الحياة يحتاج الى وقت، ونحن نشجعهم ونشاركهم طموحاتهم ».
كذلك حضر الى التظاهرة رجلا دين مسلمان، واحد سنّي وآخر شيعي. لا علاقة لحضورهما بمعادلة « 6 و6 مكرّر » الطائفية. الشيخ علي الصياد، مدير وقف دار العلوم الإسلامية، يقول لـ« الأخبار » إنّ « علماء الدين يجب أن يكونوا أوّل الناس في رفض الظلم، وفي المطالبة بالعدالة الاجتماعية ». في المقابل، يقول الشيخ زهير كنج إنه مع مطالب الشباب. يعرّف كنج عن نفسه ببيان وزّعه أنصاره، يقترح فيه 13 خطوة لإسقاط النظام الطائفي. هل تؤيّد فصل الدين عن الدولة، تسأله إحدى المشاركات؟ فيجيبها « المطلوب إسقاط النظام الذي يقيّدكم ويقتل طموحاتكم ». جواب لم يشفِ غليل الكثيرين ودفعهم الى الصراخ على مسمع الشيخين « علمانية علمانية... بدنا دولة علمانية ».

زنكة زنكة

لافتات كثيرة رفعت في التظاهرة تحمل توقيع isqatalnizam.org، وكُتبت عليها شعارات مطلبيّة عن « الكهرباء المقطوعة والرواتب المنهوبة ». لكن معظم اللافتات كانت عفوية وشخصية : « حاطّين الطائفية متل جرس على ذنب بغل. والبغل بيضلّ يفنعص. والجرس يرن طائفي طائفيك طائفينا... طائي بكل يلّي هوّي طائفي »، تقول إحدى اللافتات. فتجيب أخرى : « انتفخنا من العز والكرامة والانتصار والحرية والسيادة والاستقلال ... بدنا ناكل ». وتكرّ السبحة : « على البيت يا أمراء الطوائف، قرفت من الواسطة. يا طغاة لبنان دوركم آت لا محالة. الطائفية تضر بالصحة. خبز وعلم وحرية ... لا للطائفية السياسية. لا للفساد ». ومن صُور، تقول إحدى اللافتات « باطل باطل ... الطائفية مرض قاتل ». كما حملت إحدى المتظاهرات لافتة كتب عليها « لا أستطيع أن أصبح رئيسة للجمهورية لأنني مسلمة »، فيما استعار أحد المشاركين من خطاب معمر القذافي، وحمل لافتة تقول : « من زنكة الى زنكة لإسقاط النظام الطائفي »، لكنّ شاباً أكثر صراحة، قرّر الاعتراف : « أنا حمار طائفي وحابب صير مواطن لبناني ». ولم تخلُ التظاهرات من مشاركة أطفال دون السنة، كذاك الذي حمله والده مع لافتة تقول : « ما حابب أكبر وشوف بلد طائفي ».
ومن الهتافات التي رددها المتظاهرون : « ثورة ثورة وين ما كان... هلق (الآن) دورك يا لبنان ». شعار « الشعب يريد إسقاط النظام »، حضر بقوة أيضاً. أما كلمة « ثورة »، فتردّدت كثيراً. « ثورة ضد العنصرية والطائفية والإقطاعية ». و« ثورة مع المصرية والتونسية والبحرينية والليبية واليمنية ». وهي هتافات سبق أن رُدّدت في التظاهرة الأولى التي سارت من كنيسة مار مخايل الى العدلية الأسبوع الماضي.
من الدورة مروراً بشوارع برج حمود، وصولاً الى شركة الكهرباء في مار مخايل، معظم المتفرجين على جوانب الطرقات وفي المحالّ، هم من العاملين والعاملات من جنسيات آسيوية مختلفة، تهامسوا في ما بينهم بشأن المشهد الذي يرونه على الشاشات في أكثر من بلد عربي، فإذا به يحطّ بينهم في بيروت.
هتف المتظاهرون كثيراً للناس على الشرفات. « يلّي قاعد على البلكون نزال شوف شعبك هون ». بعضهم اكتفى بتصوير المشهد عبر هاتفه النقال. آخرون رفعوا شارات النصر، فيما اختار رجل ستّيني نثر الأرزّ على رؤوس المتظاهرين.
لشركة الكهرباء لبنان حصّة الأسد في التظاهرة. « نتظاهر والكهربا مقطوعة »، تقول إحدى المشاركات. أما المنشور الذي وُزِّع على المواطنين للحثّ على المشاركة، فيقول « بدّك تبطّل تدفع فاتورتين، شارك بإسقاط النظام الطائفي ».
وجوه كثيرة شاركت في التظاهرة من إعلاميين وفنانين ونقابيين ومثقفين وشعراء وكتّاب، مروراً بنشطاء حقوق الإنسان وقضايا المعوّقين. أما الحزبيون، فتنوّع حضورهم من مختلف الأطياف، مروراً بتجمّعات ومجموعات شبابية وطلابية ومستقلين.
ختام التظاهرة بالنشيد الوطني اللبناني، وتلاوة بيان جاء فيه : « نحن مواطنين ومواطنات من الشعب اللبناني. نحن حركة سلمية احتجاجية، نريد إسقاط النظام الطائفي وجميع رموزه... ندعو الجميع الى التحرّك والانضمام إلينا ». وأضاف البيان : « لمن يسألنا من نحن... نحن الشعب، ونسأل : لماذا نُحكَم بنظام طائفي دام أكثر من عهود كل من مبارك وبن علي والقذافي معاً، وهو نظام أكثر دمويةً وفساداً منهم جميعاً، أنتج الحروب والويلات والدمار والفساد ».
أما المطالب، فحددها البيان بـ« دولة مدنية علمانية تقوم على مبدأ المساواة بين جميع الأفراد على اختلاف انتماءاتهم ». كما طالب البيان بـ« قوانين الأحوال الشخصية المدنية التي تنظّم حياة الناس على أسس مدنية لا طائفية، لا فئوية ولا عنصرية، ونظام عدالة اجتماعية يحفظ حقوق العمال والعاملات والموظفين والموظفات والطلاب والطالبات والفقراء والمهمّشين ».

***

التحرّك المقبل

من المقرر أن يجتمع عدد من النشطاء في مقرّ تيار المجتمع المدني مساء اليوم لتقرير الخطوات المقبلة. وفي ظل تزايد عدد الاعتصامات المفتوحة والخيم المنصوبة في أكثر من منطقة، يتّجه المنظّمون الى إقرار تحركات لامركزية هذا الأسبوع مع ترك بيروت لفريق 14 آذار، الذي من المقرّر أن يلتقي في ساحة الشهداء في 13 آذار، لكنّ هذا الاتجاه لم يُحسم بعد، فقد دعا البعض عبر موقع « فايسبوك » الى التظاهر في اليوم نفسه للقول إن هناك رأياً آخر في البلد، بينما اقترح بعض آخر التظاهر يوم الاثنين في 14 آذار في ساحة الشهداء. وفيما يستمر الاعتصام المفتوح أمام وزارة الداخلية في الصنائع وفي ساحة الشهداء في صيدا، يفتتح يوم غد الثلاثاء اعتصام مماثل في ساحة بحمدون في قضاء عاليه. أما في بعلبك، فنظّم أمس اعتصام بدعوة من « اللجان الشعبية الإصلاحية في بعلبك » في باحة القسيس في المدينة، احتجاجاً على الغلاء المعيشي والنظام الطائفي. وأكد المتظاهرون أن هذه الخطوة ستعقبها خطوات مستقبلية.

***

بيروت تحلُم
جهاد بزي

بيروت أيضاً.
بيروت الألوان كلها. بيروت الصحافية والأسير المحرر والأربعيني المقعد وربة البيت وأستاذ المدرسة والجامعة والعامل. بيروت الشبان والشابات نبضها الحقيقي. بيروت الطيور التي على بعضها تقع، ولو أنها من أشكال عدة، ومن أزياء تتعدد بتعدد الانتماءات والأحلام والاديان. بيروت الروائي والمذيعة والمصور وموظف الدولة وصاحبة المتجر والناشطة في سبيل حقوق المرأة، والحقوقية. بيروت الأطفال والأولاد في تظاهرة عمرهم الأولى، درس التربية الوطنية الأول.
بيروت المسيحية والمسلمة، بلا العناقات الزائفة للأهلّة والصلبان. بيروت الشارع الضيق الذي أطل أمس على تاريخ جميل كتبته بابتساماتها وجوه الناس. وجوه على فرح وعلى امل وعلى اعتداد بأنها لا تضمر غير ما تعلن، وأنها لا تستحي من هتاف، وأنها لا تخاف على عقول أبنائها من صدأ الحقد المرعب والعنصرية المقيتة والجهل القاتل. بيروت الناس الذين يبشرون بلدهم بالخير. يبشرونه بمسيرة في حبه وحده، ليست مسبوقة في عددها وفي أن الداعين إليها شابات وشبان مجهولون، وفي أنها رمت نفسها في الطريق من الدورة إلى شركة الكهرباء في مكان جديد، وفي انها رفعت صوتها باللغة الجديدة، وفي أنها تحلم، وفي ان كبارها ينقادون خلف صغارها بكل طيبة خاطر، وفي أنها بلا إله يديرها كيفما شاء.
بيروت أيضاً. بيروت أخيراً.
الآلاف الذين أشرقوا أمس، قالوا إن لبنان ليس مجرد قلعتين متحاربتين، وإن في جدران سجننا نوافذ تفتحتها أيد وأفكار طرية لطلاب مدارس ولجامعيين، ولكثر لا يمكن جمعهم في خانة طبقة اجتماعية، أو مستوى وعي سياسي أو ثقافي، ولا في دين. الآلاف الذين أشرقوا، يطالبون بالحقوق، كثيرها وقليلها.. من الحق بالعلمانية إلى الحق بالخبز، وما بينهما، من بيت ووظيفة ومدرسة ومستشفى وحريات.
الآلاف يشرقون على جدران سجننا المدكوكة. في إحباطنا الساحق هناك من يصرُّ على المشي وعلى الهتاف وعلى رفع العلم اللبناني، الذي هنا فقط تبدو الوانه اصلية، وليست مطلية فوق الغايات الاخرى. هناك من يحب بلده حقاً، ويحلم به مكاناً أفضل. وهناك من يتظاهر للمرة الاولى منذ سنوات بعيدة، ليس لأنه كفر بالآخرين، بل لأنه اختنق بالقابض على حنجرته. بالمتحدث بالقوة باسمه.
بيروت أيضاً.
بيروت التي ليست بعيدة عن القاهرة العظيمة، التي ما إن وقفت ومشت حتى تقدمت وتقدمت فتفوقت على كل توقع وأي توقع. وبيروت أيضاً، تليق بها عدوى الايمان بأن لا شيء يرسخ إلى الابد. بيروت أيضاً، تليق بها أقواس قزحها وأصوات تنوعها وتنوّرها.
بيروت العاصمة والفكرة ووجه البلد وصورته عن نفسه. أمس كانت أحلى من أي يوم آخر. بلا شتيمة وبلا كره وبلا رياء ولا كذب ولا تملق كانت أرق. بلا طبقات المساحيق كانت بيروت أحلى. بلا اقنعة، كانت أكثر ثقة بنفسها. بلا صخور الطوائف كانت خفيفة. ضد الفساد والمحاصصة كانت أكثر عدلاً. بلا خطيب على منبر، كانت أشبه بجارها البحر، واسعة وجميلة ولا يد تقدر على الاطباق على عنقها. بلا زعمائها كانت بيروت على سلام داخلي نادراً ما سرى فيها فبعث في قلبها النبض.
كالحلم كانت المسيرة. كالحلم الذي يأتي اول الصباح، هشاً يُكسر ما ان يُلمس. حلم بلا خناجر على خناجر. حلم كان فيه الناس غير مصدقين أنهم يعيشونه، فراحوا يحصدون لحظاته واحدة واحدة، ويعدون أنفسهم باليوم التالي.
بيروت أيضاً. تحلم حلماً كان الناس فيه ورداً على ورد، وعطراً على عطر، فاحت في الحلم المدينة.

***

الآلاف خرجـوا إلـى الشـوارع ليخبـروا عن معنـى « الوطـن » :
نحـن شبـاب لبنـان.. ونحـن نـريـد إسقـاط النظـام الطـائفـي

جعفر العطار

انتظر رجل أشيب الشعر، بهدوء مضطرب، دوره في التعليق. ولمّا جاء دوره، انتفض حاملاً مكبّر الصوت، وقال : « 61 عاماً، وأنا في انتظار هذه اللحظة. لقد هرمت، وغزا الشيب شعري، وأنا أنتظرها. حافظوا عليها. شكراً ».
بدت مداخلة الرجل، في الاجتماع المفتوح الذي عقد في « الأونيسكو » أمس، قبل أربع ساعات من مسيرة إسقاط النظام الطائفي، أشبه بشحنة كهربائية هزّت أصحاب المداخلات الحماسية ذات العناوين العريضة، قبل توجههم إلى جسر الدورة، للانطلاق في المسيرة التي تخطى عدد المشاركين فيها العشرة آلاف، من مختلف الأعمار و »الانتماءات » الجغرافية.
كان المشاركون في الاجتماع يعلّقون، بمدة زمنية لا تتخطى الدقيقة الواحدة، على المطالب التي عرضت على شاشة عملاقة، لتحاكي ما يصبون إلى تحقيقه، من إسقاط النظام الطائفي وصولاً إلى حلّ مجلس النواب. واحد وعشرون مطلباً تردد صداها في القاعة، وأكثر من خمسين مداخلة عبّر أصحابها فيها عن آرائهم، حول ما سمعوه وشاهدوه.
على الرغم من ضيق مساحتها، فإن القاعة لم تمتلئ. جلوس، ووقوف. صراخ وتصفيق. شجب لرأي، وإثناء على رأي آخر. فهذا يؤيد شرحا لمفهوم العلمانية، وذاك يؤيد انتزاع المطالب من الأفواه وليس انتظار صدورها. حماسة عارمة طافت في أرجاء القاعة، وفوضى لا مفرّ من وقوعها، وقعت في اجتماع مفتوح، سبق النزول إلى الشارع.
إلى المسيرة، إذاً.
بدأ المشاركون في المسيرة، بالتوافد إلى جسر الدورة، عند الثانية بعد الظهر. يتمهل سائق حافلة كبيرة بمحاذاة الجسر، محدّقاً باتجاه الوفود المتجمهرة، واللافتات التي رفعوها. يعلن السائق، بصراحة عفوية، للركّاب : « أعتذر منكم، لكنني مضطر للترجل، والانضمام إليهم. يمكنكم المشاركة، وأنا أتكفل بتوصيلكم ».
كدرع بشري، وقف المشاركون حول المستديرة ينتظرون وصول بقية المتظاهرين. درع عفوي، لازم المشاركين الحانقين على النظام، من انطلاقتها إلى ختامها. وفي الدرع، داخل الدائرة، كانوا يحتفلون ويرفعون الصوت : ثورة. كانت كلمة « ثورة » تثور، مع كل دقيقة تمرّ، على ثوارها، فتزداد قوّتها وتضحي أكثر ترداداً : ثورة.. ثورة.. ثورة.
تحت الجسر، وقف رجلان، رفع أحدهما لافتة، كتب عليها : « نريد إسقاط النظام الطائفي »، بينما رفع الثاني لافتة « لماذا لا توجد كهرباء.. إلا في خطاباتهم؟ ». صاحب اللافتة الثانية أستاذ في جامعة « البلمند ». وقف وصديقه، مزهوين.
كانا أشبه بوسيلة إعلانية بسيطة، تريد الترويج لفكرة، من دون أن تثبت لافتات عملاقة على الطرقات، بل توجهها إلى الناس مباشرة. كانا يتحدثان، باقتضاب، مع سائقي السيارات : « نحن ضد 8 وضد 14. نحن نريد استعادة حقوقنا. هيا، ترجلوا وانضموا إلينا في المسيرة ». ثمة من انضم مبتسماً، وثمة من رفع شارة النصر وأكمل سيره.
تصل سيدة خمسينية، لفّت منديلاً أبيض اللون حول رأسها، عند الثالثة إلا ربع. راحت تجول بين الحشود، كأم أضاعت طفلها في هرج ومرج. كانت تبحث عن لافتة لترفعها، فطلبت من فتاة عشرينية شقراء أن تكتب لها، كيفما اتفق، عبارة : « أنا أريد الاعتذار من شباب لبنان. أنا أريد الاعتذار من أولادي. أنا العجوز التي كنت أضحك عليكم. أنا العجوز التي هزئت من أفكاركم يوماً ». بكت الفتاة، وكتبت لها : « أنا الأم التي أحبتكم ».
عند الساعة الثالثة والخمس دقائق، بدأ المنظمون بتجميع المشاركين خلف اللافتة العملاقة، التي كتب عليها باللونين الأبيض والأسود : « من أجل دولة ديمقراطية علمانية ». آليات الجيش اللبناني انتشرت حول المستديرة، وأمامهم سيارات قوى الأمن الداخلي، وبينهما طفلة تقول، في اللافتة التي رفعتها : « نعم، نستطيع استعادة رغيفنا المسلوب ».
قبل خمس دقائق من انطلاق المسيرة، سأل شاب أتٍ من صور، صديقه : « برأيك، هل وصل عددنا إلى أكثر من ألفي شخص؟ »، فردّ عليه الشاب بنبرة واثقة : « كلا. يبدو أننا أقل من مسيرة الأحد الماطر. الله يستر ». غير أن رجلاً سبعينياً، سمح لنفسه بالتدخل في نقاشهما، قال بلكنته البقاعية أنه من الصعب تقدير العدد قبل الانطلاق، فأخمد نار التوجس في صدري الشابين.
توزعت الدروع البشرية كطوق حماية وحركة تنظيمية، حول المشاركين، عند الثالثة والربع، إيذاناً بالانطلاق باتجاه شركة الكهرباء. هنا، اللافتات تعبّر عن جوارح أصحابها وأحلامهم، مجترحة تعابير عفوية تصيب قارئها بسهم يحتم عليه التحديق، والتفكير.
كمسيرة الأحد الماطر، مشى هؤلاء أمس. غير أنهم مشوا في منطقة أخرى، ذات طابع آخر، بسبب هدوء شارع الدورة سياسياً، وغروب شمس السياسة الطاحنة في برج حمود، فيما لمار مخايل معاركها المعروفة، إذ رفع فيها السلاح أكثر من مرة بأيدٍ كثيرة وفي وجوه كثيرة.
وجوه أمس كانت مختلفة عن مسيرة الأحد. وجوه جديدة، يافعة ومسنة. وجوه غضبت من تعثر مشاركتها في مسيرة المطر، فنزلت أمس. نزلت وفيها ما يكفيها من حماسة التغيير. فيها ما يكفيها من السأم والمطالبة، وانتظار خطاب هذا الزعيم، أو ذاك الرئيس. أمس، قالت، بصدر مرفوع : « نحن نريد ».
أرادوا إسقاط النظام الطائفي، وبناء المصانع، وتحديث الزراعة، وتأمين الوظائف، وإقرار الزواج المدني. مشوا، مرددين شعارات الثورة، ومستمعين لأغاني الثورة. قالوا : « الويل لأمة كثرت فيها الطوائف »، فنثر الأرز من شرفات شارع الدورة الفرعي. قالوا : « الصلاة للرب الخالق.. وليس للزعيم المارق »، فرفعت قبضات النصر من الشرفات.
كان المتجمهرون خارج المسيرة، في شارع برج حمود الرئيسي، يبحثون عن أصحاب الدعوة وانتماءاتهم، فجالت أبصارهم على الأعلام المرفوعة، علّهم يتعرّفون إلى هوية الدّاعي، فوجدوا أعلام لبنان ترفرف في الهواء الطلق. سألوا : « من هؤلاء؟ ».. « شباب لبنان »، جاءهم الجواب. « لكن شباب لبنان موزعون في أحزابهم »، قال ستيني وقف أمام دكانه، فردّ عليه شاب فارع القامة : « كلا يا عم. نحن شباب لبنان. وأولئك سيلحقون بنا، بعدما ينتزعون عن أنفسهم عباءة زعيمهم. سيلحقون بنا يا عمّ ».
بين الدقيقة والأخرى، كانت الفتاة الإعلامية التي حملت مكبّر الصوت، تصرخ بصوتها الرنّان : « أنت الواقف على شرفتك، تعال ولاقي شعبك هنا »، فيردد المشاركون وراءها الشعار، فيما الموجهة إليهم الدعوة كانوا يرقصون من شرفاتهم، ويزغردون.
مشوا، وحمل بعضهم الآخرين على الأكتاف، ولثم الآخر من تفاجأ بانضمامه إلى المسيرة. وزعوا القبلات في الهواء، وقالوا في ما بينهم، كاتفاق لا رجعة عنه، بأنهم لن يقبلوا بأي رجل سياسي، مهما كبر أو صغر شأنه، بأن ينضم إليهم.
رفعوا أصواتهم عالياً، وفي موسيقاها الرنّان ضمير الـ »نحن » : « نحن نريد استعادة حقوقنا المسلوبة. نحن نريد دولة تفصل الدين عنها ».

<FONT color=#ff0000 face=Arial>Pétition
Non au terrorisme de l’Etat d’Israël
<A href="http://www.aloufok.net/spip.php?article2">http://www.aloufok.net/spip.php?article2