Al-Oufok

Site du Mouvement Démocratique Arabe

Accueil > Etudes et Analyses > <DIV align=left dir=rtl>الثورة : وعي بالحرية</DIV>

<DIV align=left dir=rtl>الثورة : وعي بالحرية</DIV>

lundi 9 mai 2011, par يوسف سلامة

يوسف سلامة

عرّف هيغل التاريخ ذات مرة بأنه (تاريخ الوعي بالحرية). ولم يكن محقاً في هذا التعريف فحسب، لكنه كان محقاً أيضاً عندما انتبه الى أن الحرية في الشرق القديم أمر ينفرد به الحاكم الذي هو ظل الله على الأرض بصورة أو بأخرى. لا بل إن الحاكم في هذا الشرق قد اكتسب رويداً رويداً- إلى جانب تفرده بتملك الحرية من دون الرعية - كل صفات الإله السماوي من القدرة والمعرفة والسلطان الشامل، ما جعله يسمح لنفسه بأن يشغل مكانة فوق مستوى البشر، ما جعل نقده، بل مراجعته، أمراً لا ينسجم ومعايير السلطنة والقوة.
ولو راجعنا تاريخ شرقنا العربي، لوجدنا أن حكامه، في الغالب الأعم لا يزالون يشغلون الموقع نفسه في سلطناتهم واماراتهم وممالكم وجمهورياتهم. إذ تكاد المسافة الفاصلة بين الحاكم العربي ورعيته أن تكون مسافة لامتناهية يتعذر على أي منهما قطعها، ومن ثم فالحاكم والمحكوم يعيشان في عالمين منفصلين كل الانفصال ومستقلين كل الاستقلال بحيث لا توجد لغة مشتركة تسمح بالحوار بينهما ولا قانون مشتق من الحقوق الطبيعية او الوضعية يمكن الاحتكام إليه في تنظيم العلاقة في ما بينهما. فالخلاف بين الحاكم والمحكوم خلاف في الماهية والرتبة : الحاكم يعرف والمحكوم لا يعرف، والحاكم كلي القدرة والسلطان والمحكوم كلي الضعف والهوان.
وعلى الرغم من كل الثورات التي شهدها العالم العربي في القرن الماضي، لم ينجح العرب في تحقيق ثورة حقيقية معبرة عن جميع البشر بدلاً من أن تكون معبرة عن بعضهم. ما نعنيه بذلك هو أن ثورات الضباط الاحرار التي نهضت بعبئها الجيوش العربية في مختلف أصقاع العرب قد كانت ثورات للضباط الاحرار. وبالتالي لم تنجح هذه الثورات الا في تحقيق الحرية لبعض الافراد من أبناء هذا الشعب العربي أو ذاك ولن نجانب الحقيقة إن سمحنا لانفسنا بالقول : إن هذه الثورات قد انتهت الى تكوين فئات اجتماعية وضعت نفسها فوق الجميع عندما منحت لنفسها مزايا وامتيازات على حساب الاكثرية فتحقق بذلك نوع محدود للحرية وحرية البعض على حساب الجميع.
واليوم تأزمت العلاقة بين الفئات الاجتماعية التي انتجتها ثورات الضباط الاحرار وبين الاكثرية في المجتمعات العربية. لم تعد هذه المجتمعات مقتنعة بهذا النوع من النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي. بل إن البشر في اكثريتهم في المجتمعات العربية اصبحوا ينظرون الى هذه النظم على انها عقبات في وجه تطورهم الانساني الحر، وعلى انها قيود تمس كرامتهم. وتتعدى على حقوقهم المقدسة، اعني الحقوق الطبيعية، وفي مقدمتها الحق في الحرية.
العربي اليوم لا يشكو من التمييز الطبقي، ولا يثور من أجل الخبز ولقمة العيش، على الرغم من حاجة أكثرية أفراد المجتمع لهما. إنه يثور من أجل شيء آخر هو الحرية والكرامة اللتان لا تتحققان الا باعتراف المجتمع للانسان بانه فردية مستقلة، يعمل من اجل التعبير عن فرديته، ويفكر من أجل إحرازه وعياً ذاتياً بشخصه ويعبر ليشعر الآخرون بذاتيته وخصوصيته، ويمارس السياسة من أجل المشاركة في إنتاج بنية جديدة يتعرف فيها الى نفسه، لكونها من إنتاج كل فرد في المجتمع ومن إنتاج الجميع في وقت واحد.
الثورة العربية الراهنة (ثورة الشباب) هي العلامة الدالة على أن العرب اليوم يسيرون في الطريق نحو ولادة الانسان بوصفه فردية حرة وليس بوصفه جنساً او نوعاً، طائفة او قبيلة او عشيرة، وإنما بوصفه فرداً حراً يريد أن يصنع العالم وفقاً لرؤاه، ويريد أن ينتج قيماً وفقاً للعواطف والافكار التي يرى أنها تستحق الاحترام. وعندما يولد الانسان بوصفه فرداً من ركام الماضي ومن ركام التقاليد ومن بقايا التراث، فهنا، وهنا فحسب، يكون المجتمع الجديد متجها صوب صنع تاريخ جديد فحواه أن التاريخ هو تاريخ الوعي بالحرية. ولكن الحرية هنا تصبح للجميع بعد ان كانت امتيازاً لفئة محدودة في البنى السياسية التي اقامها الضباط الاحرار في العالم العربي.
الدلالة النهائية لثورة الشباب هي التوق الى ولادة الفردية وتأكيد الحرية الشخصية والسياسية والانفصال النهائي عن عصر بات عقبة في وجه الانسان والمجتمع والتطلع نحو عصر الذاتيات الحرة عصر الافراد المبدعين في كل مجالات الحياة. ولما كانت السياسة هي المدخل لضمان الحرية في كل صورها واشكالها، فإن العالم الجديد الذي تبشر به ثورة الشباب العرب سيشهد بكل تأكيد أزدهاراً للحياة بكل تفاصيلها، ازدهاراً للفن والأدب والعلوم والتقنية والاقتصاد، بل وكل مجالات الحياة، لا لشيء إلا لأنه سيغدو عالماً من صنع بشر أحرار.
ومهما قاومت البنى القائمة ثورة الافراد الاحرار، فإن هذه البنى لن تصمد طويلاً أمام وعي الأفراد بانفسهم واحساسهم بفردياتهم. لذا فمن الخير، أن ينخرط المجتمع في عملية مصالحة شاملة، وعملية اصلاح جذرية يتم الاعتراف بموجبها بحق الجميع في امتلاك قدر متساو من القوة، وحق متكافئ في صياغة الحياة الجديدة. وما التكافؤ او التساوي في امتلاك القوة بين أفراد المجتمع إلا الديموقراطية نفسها.

كاتب وأستاذ جامعي من سوريا

<FONT color=#ff0000 face=Arial>Pétition
Non au terrorisme de l’Etat d’Israël
<A href="http://www.aloufok.net/spip.php?article2">http://www.aloufok.net/spip.php?article2