Al-Oufok

Site du Mouvement Démocratique Arabe

Accueil > Les communistes arabes > <DIV align=left dir=rtl>حديث الذاكرة (إلى الرفيق أسـد)</DIV>

<DIV align=left dir=rtl>حديث الذاكرة (إلى الرفيق أسـد)</DIV>

dimanche 30 octobre 2011, par مرسيل خليفة

مرسيل خليفة

إلى موسيقاه وأغنياته ، يكتب الفنان المبدع والكاتب الأديب مرسيل خليفة نثراً جميلاً في عوالم الموسيقى والحب وأحوال القلب الأنساني- ولكن "الطريق" تقدم له، هنا، كتابة من نوع آخر، شبه روائي، يستعيد فيها مرسيل سنوات الشباب الأول, ويرسم فيها صورة صديق له، رفيق مناضل،وصانع رفاق مناضلين، من حيث ان هذا الرفيق كان يفتح عيون الشباب على الطريق الكفاحي الصعب والجميل الموصل إلى آفاق التحوّلات والتغيير وعدالة اجتماعية في "وطن حر وشعب سعيد" – لونٌ كتابي مختلف يُضاف إلى الأنواع المتعددة لفنون مرسيل خليفة.

لم يتم ذلك صدفة...
منذ الصغر وأنا أخترع أبطالي الصغار، أفتِّش عن حالات التوهُّج والتمرُّد بسلوكهم اليومي، لأنتمي إليهم.
وكانت البدايات، بدايات الصراع الحقيقي. السلوك النضالي اليومي المتكامل مع أسماء صغيرة، مع أسماء عديدة، كانت تشكِّل لي الإطار العام لحفلة المبارزة مع الواقع الذي نعيشه.
أشخاص "كُثُر" لا أحد يعرفهم بمواجهة الطبقة المسيطرة، انتسبتُ إليهم، وإني لفخور بالانتساب للكادحين، على ما في هذا الأمر من صعوبة.
وما زلت لليوم أعتقد، ورغم كل الظروف الصعبة التي نمرُّ بها، أنَّ انتساب المرء للحزب يعني قيامه بكل ما هو ممكن، لكي تزداد حياة الناس سعادة يوماً فيوماً.
ورغم كل هذا القتل، قتل الناس والبيوت والأفكار، بقي هؤلاء الأنقياء يدافعون بأجسادهم عن الوطن، لقد تعلَّمتُ منهم ومن تضحياتهم حب الحياة.

الرفيق "أسد"، وقبل أن يرحل بأيام معدودة، وفي سهرة حميمة قال بصوتٍ عالٍ، بعد أن انتهينا من رندحة أغنية حب :
"إنَّها لحظات صعبة نمرُّ بها، لم يعد أمامنا سوى خيار واحد، وهو التماسك بحلم الحياة وبعنادٍ كبير".
لكنَّ الحياة عند الرفيق "أسد" كانت مصادفةً. لم يحصل إلاَّ على الموت وهو يدافع عن الحرية. وعندما تكلَّم في تلك الليلة، رأيت بكلامه حياة الآخرين، حياة لا تخصّه وحده، تكثر فيها الجماعة.
لقد سقط كل شيء. إلاَّ الحلم، وسنظل نحرسه، وحلمنا بسيط جداً، وهو أن نقول دائماً الحقيقة، وأن نمنع الانهيار من أن يدخل إلى فكرنا وذواتنا.
الجرح كبير. ولكنَّنا نحاول كتابة "الحرية".
أمنية غريبة ومستحيلة أحياناً !
لا أعرف !
ولكن، رغم كل شيء نريد أن نطبِّق أصالتنا على مشاريعنا الصعبة، والتي تبدو أحياناً مستحيلة.
المرارة لا توصف.
جوابنا هو الحياة، هو الاستمرار.
ولكنَّ كل هذا لا يمنع من أن نروي الحكايا. وربما بكتابتنا لهذه الحكايا نردّ على الكثير من التساؤلات حول تجربة غنية ماضية من حياة الحركة الشعبية الوطنية، وبدايات تطور العمل الحزبي في لبنان، ومقولات مهمة، في ما يتعلَّق بجوانب الصراع الماضي على الساحة اللبنانية.
أعود إلى تلك الخبريات، كما لو أنَّني عشتها، وذلك بعدما سمعت الرفيق "أسد" يحكيها ويكرِّرها ألف مرَّة، منذ أن صار لي ذاكرة.

" أسد" روحانا ابن "طانيوس نخلة روحانا"، وهو من بلدة "عمشيت" في قضاء "جبيل". وُلد سنة 1926 لعائلة فلاحية فقيرة تضم تحت جناحيها ثمانية أولاد. حكى، كي لا يبقى الخط السياسي للحزب في إطار الممارسة السياسية للهيئات القيادية فقط، بل ينبغي أن يتجسَّد في صلب الممارسة العملية لكل رفيق في عمله الجماهيري، وخاصة في وسط الطبقة العاملة لشرح تناقضات المجتمع، والعمل لأجل حلِّها.
لقد حكى قصته ببساطة. وأعتقد بأنها أتت في وقتها لأنها ضرورة. وهدفها استثارة النقاش في منطق وممارسة فكر الحزب. وأورد هذه الحكايا اليوم بالذات، لأننا ربما قد ابتعدنا عن الناس حتى كدنا أحياناً أن نكون في عزلة.
إنَّ الناس متطلبون، وهم محقون في كل ذلك. يجب أن نثق بهم، حتى في أحلك الظروف.
هذا "الختيار الطيّب" عاش مع الناس وامتلك ذاكرة حيّة، وهي تتواصل وتتواصل دون انقطاع، وحتى بعد غيابه.
كثيرون من أمثاله لا أحد يعرف عنهم شيئاً. إنهم جزء حقيقي نابض من حياة شعب. وربما تكون رحلة "أسد" رحلة عادية، ليس فيها بطولات خارقة ولا سجون قاسية. بل هي معاناة حقيقية من أجل غد أفضل. بدأت رحلته في العشرينات من القرن الماضي، حيث شارك ببساطة بالنِّضالات الأولى لشيوعيي لبنان.
"أسد" لم يتغيَّر. صدى نقاشاته المستمرة باقٍ، يتفاعل مع الحياة. كان ينفعل، "ينرفز" أحياناً، "يسبّ"، "يكفر"، "يبحّ" صوته لإفهام أمرٍ ما لرفيق جديد وتبقى في أعماقه قضية الثورة ونقاؤها.

يرنَّ "التليفون"، ودائماً في ساعة متأخرة من الليل، والرفيق "أسد" على الخط :
آلو...
آلو...
مرسيل؟
مين ?
أسد. أسد !
أهلين، وينك يا عمي؟
انطرني بكرا الساعة عشرة الصبح جايي لعندك !

وهكذا كان في كل مرة يتلفن ويحضر. ويبقى ساعات حتى يقطع المعابر أيام الحرب، ذهاباً وإياباً، "وعا قلبو متل العسل..."، وهو لم يكن يعترف بمعابر.
ـ أيش في شي جديد؟
وقبل أن يسمع الرد على سؤاله، يباغتك بانتقاداته. متحمِّساً. عنيداً. يستوعب تجربة الماضي. ويقول رأيه دائماً بصراحة في المسائل المتعلقة بالماضي والحاضر. وفي الخطط المستقبلية، انطلاقاً من مناقشة كل تقرير يرد إليه.
كان عتبه كبيراً على الأجيال الجديدة من الشيوعيين، لعدم اضطلاعهم المكثَّف والقراءة المنتظمة والمناقشة الحية وعدم مواكبة التطورات.
ـ الحق عالحزب !
يا رفاق، لو قدَّمنا شهيد تلو الشهيد، وما كان عنا وضوح فكري وفهم عميق لمشاكلنا، كل إنجازاتنا ما إلها طعمة. انتبهوا يا جماعة.

" أسد روحانا" من "عُرمط عمشيت"، الذين كانوا في كل الظروف حصناً من حصون النضال. شبَّ مع الكثيرين من أبناء جيله، حيث كان مجتمعنا ينبض بحياة جديدة وأمل بالاستقلال وجلاء المحتل. يتلمَّسون الطريق في الأحياء الفقيرة التي كانت تتكدس فيها عائلات العمال والحرفيين والفلاحين.
بكل الحساسية الجميلة، عاشوا حياتهم وأصداء أصواتهم ترتعش من الفاقة والجوع، من القهر والظلم. وهذه الأصداء انسابت عميقة الأثر إلى قلوبهم.
إنه مثل الكثيرين من أبناء طبقته، وجد نفسه مسؤولاً وفي سن مبكرة عن أسرته، فاشتغل وكدَّ وذاق الأمرَّين من أجل اللقمة. وإبَّان شروق الحزب الشيوعي في المنطقة أخذ "اسد" مكانه في صفوف الطليعة، وفي صميم الأحياء الشعبية، حيث كان يغوص في الأوحال ليصل إلى بيته وإلى بيوت رفاقه البسطاء الذين كان يحبهم بكل خفقة من خفقات قلبه.
جماعة ثورية تسير في طليعة الثورة. وحكاياها تدل على أنها مدرسة لها أهداف تناضل من أجلها. مدرسة بسيطة، ولكنَّها فاعلة وقوية، أحدثت أثرها في قوة وعمق. مدرسة فهمت جذور الثورة الشعبية، وادركت أهدافها.
لقد استخدمت هذه المدرسة لغة الحياة اليومية، اللغة البسيطة، التي نقرأها ونحكيها ونعيشها، ولا نحس أحياناً بجمالها.
لا بد أن نشعر بأنَّ الحضارة التي ورثناها عن رفاقنا القدامى هي حضارتنا. يجب أن يكون لدينا قدرة على "الخيال"، وقدرة على تحويل "الحلم" إلى واقع. ونحن في أمس الحاجة إليه اليوم، أكثر من أيِّ وقت مضى. هذا هو جوهر أن تعيش في عصرك، دون المساس بالأشياء التي نراها جميعاً عزيزة علينا.
إنَّ الحاضر لا يلغي الماضي، لأنَّ القديم جزء من التقاليد والوعي، هو ثقافة الوطن الواحد غير المقسَّم وغير الطائفي، والذي لا يلغيه أحد.
أصالتنا اليوم، هي في مدى إبداعنا في المعاصرة. والأصالة ليست الانغلاق على الماضي، وإنَّما هي قدرتنا على الإبداع في الحاضر مستندين إلى ماضينا.
يجب أن يتحرَّر الإنسان، سواء أكان هذا الإنسان خلاَّقاً، أو مستهلكاً للخلق والإبداع، أن يتحرر من كل ما يعوقه من الإبداع الحقيقي في الحياة. وأن يصحو ويستيقظ حتى ينير داخله ويحاول أن ينير دواخل الآخرين.
إذا لم يتمكَّن اليوم نضالنا من التأثير العميق في الناس، لا يمكن عندها أن نطرح البدائل.
وكما قال "أسد" :
ـ انتبهوا يا جماعة...
التعبير عن النفس الرافضة، لكل هذا "الغلط"، هو الحاجة الأولى. والأهم في الحياة تعبير الحياة عن ذاتها لذاتها.

في إحدى الليالي رأيت "أسد" وهو آتٍ لتوِّه من جلسة نقاش حامية مع أصحابه القدامى، ولم يدعني أنام في تلك الليلة الكانونية :
مش جاييني نوم يا مرسيل !
ليش؟
ـ...
وسهرت معه حتى صباح الليل.

"أسد" تذكَّر الروَّاد الأوائل. في تلك الليلة، تذكَّر طفولته وبدأ يروي :

[....من زمان بعيد، كنت أذهب إلى البحر، "أغطس" إلى القعر بجانب الصخور الكبيرة التي تشبه صخور "الروشة" أمام مغارة "البابور" في بحر "عمشيت"، وأحياناً كثيرة في "بعِشتا"، لآتي بـ"البروما" ( كما يسمونها عندنا، وهي معروفة بالتوتياء : صدف بحري له شوك حاد). أبقى أكثر من ثلاث ساعات أغطس وأعوم والسلَّة الكبيرة متدلية من على الصخرة حتى أصل إلى خمسمائة حبة. أحمل السلَّة على كتفي وأذهب لأبيع التوتياء في المنطقة. كنت أصعد إلى قرية "حصرايل"، أحياناً كنت ألتقي على الطريق الترابية الوحيدة آنذاك، بـ"فرج الله الحلو" وطربوشه على راسه، وكان يبادرني دوماً :
ـ أهلاً، أهلاً بالغضنفر !
يقترب مني، ويُنزل عن كتفي القفَّة، ويتابع :
ـ ارتاح شوي ! عفاك ! عفاك يا نشيط !
وقبل أن يتركني، كان يدلّني على "الشرَّايي، الدفّيعة" بالضيعة. وكنت أعمل دائماً بنصيحته. ولا زبون منهم كان يخذلني. وهكذا كنت أعود "منفِّق" بضاعتي في حصرايل، بعد نصيحة "فرج الله".
وأنزل بعدها جرياً على الأقدام في وادي حصرايل، مختصراً طريق العودة إلى "عمشيت"، وأعرِّج في طريقي على "ليمونة الشيخة" وكان معي دائماً سكين أربطه في السلَّة وقليل من الملح في "قصقوصة" ورق خشنة في جيبي. آكل الحامض والملح بعد النهار الشاق الطويل.

أصل إلى البيت، أعطي كل غلَّة التوتيا لوالدي المغلوب على أمره. ويبلغ المحصول حوالي الليرة وربع. أفرح عندها كثيراً، لأنَّ إخوتي الصغار سيأكلون جيداً بالليرة وربع، وعلى مدى أيام معقولة.
في موسم قطاف الزيتون أيام الخريف، كان دوامي شاقاً. إذ كنت أنهض باكراً للقطاف، آخذ معي رغيف خبز وبعض قوالب التين المجفَّف. وكانت هذه زوَّادتي اليومية. خمسة عشر يوماً من الكدّ المتواصل. أحصل بعدها على خمسة أرطال زيتون تأخذها أمي إلى معصرة "شلّيطا" في حي جميع القديسين، حيث تقايضها بثلاث تنكات زيت.
الفقر يعمُّ الجميع ! السواد الأعظم من أهل بلدتي فقراء.

كنت في العاشرة من عمري عندما بدأت الحركة الشيوعية آنذاك في بلدتنا تنبلج. وهذا الانبلاج الرائع لم يفارق مخيلتي أبداً.
نحن كنا نسكن في حي "المعبور"، بالقرب من كنيسة "مار إليشاع"، وعندما كان يدق الجرس ثلاث دقات متتابعة، كنا نهرول إخوتي وأنا إلى الكنيسة، حفاة القدمين مع أبناء حيِّنا لحضور القدَّاس. نصل إلى الكنيسة مسرعين كي لا يفوتنا شيء من كلام الخوري "بطرس"، ندخل من الباب البحري ولحم أرجلنا على الأرض. كنت أحس دائماً بالدفء مع أنفاس جموع المصلِّين المحتشدين في الداخل، وأكثرهم يهربون من البرد القارس ليتدفؤوا ببعضهم البعض. وكانت أضواء الشموع الكثيرة في كافة أرجاء الكنيسة تضفي على الجو حرارة إضافية " كأنَّ هناك تدفئة مركزية".

يوم من أيام كانون الباردة، أذكر صبياً مثلي يدعى "بشارة روكز"،آتٍ لحضور القدَّاس، وأنا أنتظر أخي الصغير لندخل سوية إلى الكنيسة، مرتدياً "شورت" وقميصاً نصف كم، في عزِّ "البردات"، حافي القدمين دون "كلسات". فقط العشر سنوات من عمري كانت تحميني من البرد القارس، إذ إنَّ الطفولة تحمل مناعتها العنيدة أحياناً، ضد العوامل الطبيعية القاسية. وأنا بانتظار أخي، دخل الطفل "بشارة" مرتدياً معطفاً سميكاً وتحت المعطف "جاكيت" وتحت "الجاكيت" كنزة. بنطلون جوخ طويل وكلسات صوف، وحذاء وفوق الحذاء حذاء آخر من الكوتشوك الخفيف ليرد عن الحذاء الأصلي ورِجلي "بشُّورة" الناعمتين الرطوبة.
بدأتُ لحظتها، أتأمَّل عُريي الكامل، ولباس "بشارة" المتكامل، ونسيت : فوق كل ذلك، كان يحمل شمسية كبيرة تغطيه حتى أخمص قدميه لتقيه زخَّات المطر المتساقطة.
دخلنا سوية إلى كنيسة "مار إليشاع" القديمة، دخلنا لنتوحَّد أمام الخالق. دخل "بشارة" أمامي، ودخلت من ورائه. سحب شمسيته من فوق رأسه. نفضها قليلاً فتطايرت منها كتل مياه صغيرة إلى صدري المشرَّع. الكنيسة تغص بالناس، وأنا أتطلَّع إلى ثراء البعض القليل من أهل بلدتي، وفقر الكثيرين المستعصي.
عندها لم أعد أحتمل هذا التوحُّد أمام "يسوع المسيح" في الكنيسة. أغنياء وفقراء. قلت : فلنتصارع. وعندها "كفرت" وبصوتٍ عالٍ، أمام جمهرة المصلِّين :
ـ هذا ليس بعدلٍ !!!...
وخرجت، وغضب شديد يلفُّني من برودة الطقس خارج أسوار الكنيسة المحصَّنة بجموع المصلِّين.
ربما كانت عندي المقدرة، رغم صغر سني على تحديد المسؤولية، وقلت : إنَّ هذا التفاوت الطبقي ليس من صنع الله، بل هو من صنع الإنسان.
كل هذا سببه خلل كبير في نظام اجتماعي فاسد، جعل أحدهم ينوء من ثقل الثياب على جسده وآخر ليس عنده مقدرة على شراء جوارب صغيرة.
الحل !؟
قلت : الحل في الشيوعية... وهكذا.
بالطبع كنت على علم بأنَّ هناك تنظيماً شيوعياً في الضيعة، يضم : "أسعد سليم" و"يوسف ضومط"، و"حبيب بنبينو" وغيرهم...
ذهبت لتوّي، وبعد خروجي من الكنيسة، عند الإسكافي "يوسف ضومط"، رأيته يقفل "تخشيبته" الصغيرة بقامته القصيرة وبـ"غنبازه" الطويل. "يوسف، فلتة زكا" في بلاد "جبيل". كان يهتم كثيراً بإيصال الفكر الجديد إلى النشء الجديد الذي سيحمل الراية ويكمل مع الروَّاد الأوائل الذي بدأ الشيب يغزو مفارقهم.
ودائماً كنا نحن مجموعة من الأولاد الصغار نرتاح في ظل "يوسف" ونستأنس لحديثه وتوجيهاته، بالنسبة لي بالذات، كنت قد حضرت عن طريق الصدفة، مع والدي جلستين استثنائيتين، وكنت رغم صغر سني أعجب بالأفكار التي كانت تُطرح في هذه الخلوات.
كنت أستمتع دائماً في "تخشيبة يوسف"، وهو يقرأ على زوَّاره أخباراً ومواقف، محاولاً خلسةً، إدخال أفكاره الشيوعية في عقولهم وقلوبهم. كان يتململ ويجلجل كلما رآهم يرفعون الشفة عالياً، حاملين على سماتهم آثار الشك فيما كانوا "يلفّون السيجارة" تلو الأخرى متعمّدين التباطؤ والتأني، فيتابع "يوسف" بذكائه اللماح مداخلته إلى النهاية، فلا يعدِّل من موقفه السياسي، بل يستمر في سرد الأرقام والوقائع.

عندما رآني "يوسف" مسرعاً باتجاهه، والغضب، "يشرقط" في عيوني، قال :
ما بك؟
دخلت الكنيسة و"كفرت" بكل شيء ! "كفرت" بالعدل الكاذب داخل الكنيسة. "بشارة روكز" يدخل متلحِّفاً بثيابه الغضة، وأنا عارٍ حتى العظم، حافي القدمين. بسرعة يا معلِّم "يوسف" أريد "شاروخي" (حذاء من الكوتشوك العتيق) وعدتني به الأسبوع الماضي في ذلك الاجتماع، ليقي لحم رِجْلَي رطوبة الماء وأريد مع "الشاروخ" بطاقة الحزب الآن ! الآن ! الآن !
طوِّل بالك عالبطاقة ! بعدك صغير، ولكن "الشاروخ" سيجهز حالاً !
أريد البطاقة قبل "الشاروخ".
في النتيجة، هدَّأني "يوسف ضومط"، عاد وفتح "تخشيبته"، وأقعدني بجانبه على مقعد من جزع نخلة عتيقة، ليكمل لي "شاروخاً" من دواليب الكوتشوك العتيقة، وبين مسمار ومسمار يغرزه في الكوتشوك، كان يُفهمني بأنَّ الحل لكل المعضلات البشرية هو الشيوعية.
وانكببت بعدها على قراءة المتوفِّر من مؤلفات "ماركس" ومجموعات "لينين"، لأنني أحسست منذ البداية، بأنَّ اعتناقي للشيوعية ليس اعتناقاً عاطفياً. وإنما فهم منطقي للنظرية وفلسفتها. المهم أن أفهم مصلحتي ككادح فقير في الحياة التي هي مصلحة أبناء طبقتي.
فإذاً لا بد ألاَّ أكتفي بأنَّ الشيوعية هي المنقذة، بل يجب عليَّ أن أعرف لماذا؟ وثابرت على المطالعة، وكنت كلما قرأت موضعاً أنتقل إلى آخر. وعلى هذا الأساس، تابعت دراستي وما زلت أتابع...]

وهكذا يروي "أسد" بأنَّه تابع دراسته ووصل إلى السادسة عشرة من عمره، عندها تسنَّى له حمل البطاقة :

[.....سنة 1942 انتميتُ إلى منظمة الحزب في الضيعة، والتي كانت تعمل آنذاك بإطار "جمعية دفن الموتى"، بعد اعتقال مجموعة من الشيوعيين وأخذهم إلى معتقل "المية ومية" وقلعة "بعلبك". وكان "بطرس بشير" رئيساً للجمعية، و"زكي المصري" نائباً للرئيس، وهم مواطنون عمشيتيون يحملون أفكاراً محافظة.
لم تمضِ مدة سبعة أو ثمانية أشهر على تأسيس تلك الجمعية، حتى مرض أحد الرفاق في "أنطلياس"، وأتتنا يومها تعليمات بوجوب مساعدته على نطاق منظمات الحزب والفرق الحزبية، ومن ضمنها منظمة "عمشيت". طلب عندها، "يوسف ضومط" من "أسعد بو خطار" أن يقوم بهذه الحملة ويأخذ من كل رفيق "نص ليرة"، كمساعدة ومعونة. وقد غاب عن بال "أسعد" أن يأخذ المساعدة فقط من الرفاق، ودارها "حمبلية" وعمَّمها على الجمعية. وطلب حتى من "زكي" و"بطرس" وغيرهما نصف ليرة، غير الاشتراك الشهري، حتى تعجَّب "زكي" للنصف ليرة الإضافية، معترضاً :
البارحة، سدّدت إشتراكي في الجمعية يا "أسعد" !
صحيح يا زكي، ولكن عندنا أحد أفراد "جمعية دفن الموتى" معوز من "أنطلياس"، وعلينا مساعدته بأخذ نصف ليرة من كل عضو.
ومن يومها و"زكي" بدأ "الفار يلعب بعبّه"، ويشكِّك بميول الجمعية.

سنة 1943، تعلَّمت الإنكليزية بواسطة فرقة هندسية أوسترالية، أتت لتهندس وتنفِّذ خط سكة الحديد الساحلية. كان عندها مركز على "مفرق عمشيت". كنت أتردَّد عليهم يومياً، لآخذ "كم كلمة على الماشي"، إلى أن حفظت القاموس الإنكليزي في ثلاثة أشهر، بعد مدة قصيرة، بدأت أعمال بناء خط "الترين"، نزلتُ عندها إلى مكتب التوظيف في "جبيل"، فإذا بي أرى المهندسين الإنكليز وأمامهم خرائط كبيرة ومنهمكين في عملهم. بادرتهم بإنكليزيتي الطلقة :
"غود مورنينغ سير" !
نظروا إليَّ بتعجُّب وردوا التحية :
ماذا تريد؟
أريد أن أتوظف.
ما زلت صغيراً !
جسمي صغير ولكن عقلي كبير !
أين تعلَّمت الإنكليزي؟
هناك على المفرق !
فرحوا بي كثيراً، لصغر سنّي. ولد يجيد الإنكليزية، وكان نادراً آنذاك التكلُّم بهذه اللغة الغريبة في بلاد جبيل. حتى الذين هاجروا إلى "أميركا" وعادوا، لم يكن عندهم إلمام كافٍ بالإنكليزية، كانوا يتكلمون على هامش لغة "البابور" الذي أقلَّهم ذهاباً وإياباً.
وتابعت حديثي معهم :
أريد أن أعمل.
المهم، وظَّفوني وضموني لمهندس إنكليزي في فريق عمل يتألف من خمسة وعشرين عاملاً من أبناء المنطقة.
في بادئ الأمر، كنت أحمل الميزان للمهندس كي يخطِّط ويزين الخط. بعد مدة قصيرة، أصبحت أنا لوحدي أخطط وأزين الخط، والمهندس الإنكليزي يتركني في العاشرة صباحاً، ولا يأتي إلاَّ قبل صَرْفنا مساءً بدقائق. كان يمضي نهاره، مرتاح البال، يشرب البيرة في قهوة "لبيبة وغطاس" على البحر.

وفي يوم من الأيام، كنّا مجتمعين صباحاً على كوع "الحلوة"، نأخذ تعليماتنا، نحن العمال، من مهندسنا المعهود، قبل ذهابه لشرب البيرة، فجأةً وصل "ميجور" إنكليزي، وقف على التلَّة المواجهة للكوع، وحدَّث المهندس عمَّا إذا كان في استطاعته الاعتماد على واحد منّا في مسؤولية الإشراف على تنفيذ بناء خط الكوع. تطلَّع المهندس لناحيتي وقال :
هذا الصغير يعجبك !
ولكنه صغير جداً !
لا ! لا ! هذا الولد يستطيع أن يقوم بمهمة الإشراف على التنفيذ !
عندها، جمعنا الـ"ميجور" وأعطانا تعليماته وحمَّلني مباشرةً مسؤولية التنفيذ لكوع "الحلوة" الصعب، وغادر والمهندس ليختبرونني في العمل. في الحقيقة، كانت فترة اختبار صعبة، وبدأ العمل من التاسعة صباحاً وحتى الثالثة بعد الظهر. أنجزنا مهمتنا المستحيلة. وبعد الثالثة بقليل، يحضر الـ"ميجور" :
كل شيء جاهز؟
كل شيء جاهز.
سحب الخريطة، ثم أخذ الميزان، وكان تنفيذنا للعمل مطابقاً لرسم الخريطة، عندها، عيَّنني هذا الـ"ميجور" رئيساً للورشة.

لم تطل مسؤوليتي كرئيس ورشة، لأنَّ الإنكليز لم يعجبهم تساهلي مع العمال. الإنكليز لم ولن يفهموا أنَّ هؤلاء العمال مغلوبون على أمرهم، يخرجون من الورشة باكراً، أو يتأخرون صباحاً في الوصول لأنَّه كان عليهم حراثة وزراعة وسقي "البورات" الصغيرة أمام أكواخهم لكي يأكلوا محاصيلها الشحيحة.
وهكذا طُردت من العمل بعد مدة قصيرة، لأنَّ الرئيس يجب أن يحمل في صدره قلباً قاسياً كحجر الصوّان.
"انسدّت الدنيا بوجِّي"، ونصحني أحدهم بأن أتطوَّع في الجيش الفرنسي "نكاية بالإنكليز". أعجبتني فكرة التطوع هذه. زائد أن المعاش معقول، وعليَّ مساعدة أهلي، قبل كل شيء. المهم ركبت "البوسطا" إلى "بيروت". وكان التطوع في الجيش الفرنسي يتم في بلدة "كفرشيما". وكان عمري، يومها، ست عشرة سنة وسبعة أشهر.
مرَّ عليَّ شهر في ثكنة "كفرشيما"، قبضت بعدها اثنتين وخمسين ليرة ونصفاً، وضعت خمسين ليرة في جيبي، وتركت الثكنة في السادسة والربع مساءً، مهرولاً إلى ساحة "البرج" لألتقي هناك بـ"شوفورية جبيل" : "جبّور يعقوب"، "يوسف يعقوب"، "ديب نخلة"، "بطرس نخلة". المهم التقيت بـ"جبور يعقوب" وسلَّمته الخمسين ليرة ليسلِّمها لوالدي وحمَّلته السلامات.
وعدت ركضاً، كما أتيت من "البرج" إلى "كفرشيما" حوالى أربعة وعشرين كيلومتراً، ذهاباً وإياباً. وعند دخولي باب الثكنة "زعق" نفير التعداد وأنا "أندحش" في صفي أشهق من كثرة التعب والإعياء. وهكذا كنت آخر كل شهر، أقطع المسافة على الأقدام من "كفرشيما" إلى "البرج" لأوصل الخمسين ليرة. وكنت أبقي بحوزتي ليرتين ونصفاً كمصروف جيب.

في أواخر سنة 1943، وبعد فترة الستة أشهر الأولى في الجيش، حصلت ولأول مرة على "مأذونية" أربعاً وعشرين ساعة. زرت خلالها الضيعة والتقيت بـ"منير سليمان"، أمين صندوق الفرقة وسكريتيرها "يوسف ضومط".
"منير سليمان" ـ الخياط، دخلت عليه بعد غياب قسري طويل، فبادرني بالعناق :
ـ أهلاً أهلاً بـ"أسد"...
دفعت اشتراكي لأشهر "خلت"، واستمعت من "يوسف ضومط" لتقارير جديدة. وتتالت المأذونيات كل ثلاثة أشهر مرَّة.
ودائماً كنت أحتفظ ببطاقتي الحزبية وأنا في الجيش، مخبَّأة في جيب سترتي الكاكية الغامقة. أتفحصها كل مساء وكل صباح. وكانت كلماتها القليلة "وطن حر وشعب سعيد" تقيني شرّ غربتي المريرة داخل هذا الجيش الغريب.
ما زال هناك بطاقتان قديمتان في "عمشيت". بطاقة "فريد اسكندر مارون" وبطاقة أخرى تابعة لـ"أسعد بو خطار".

بداية سنة 1946، كنت ما أزال في الجيش الفرنسي، يومها أعطونا طلبات اختيارية للانتقال إلى الجيش الوطني. وأنا كلبناني، أمليت طلب الانتقال إلى الجيش الوطني. والـFFL قوات فرنسا الحرة تغادر لبنان.
أثناءها كانت قوات أخرى شابة تحمل شارات الـ FFL تحلُّ محل الـ FFL ، تحيَّرت واستفسرت عن هؤلاء الشباب القادمين حديثاً، بعد تحرير فرنسا وعن معنى إشارة الـ FFI، فإذا بها قوات فرنسا الداخلية، أي قوات المقاومة الوطنية في الداخل. لم أكن أعرف تركيبة هذه القوات. وفي ثكنة عسكرية تضم أكثر من أربعة آلاف جندي، قسم منهم ينتظر ليلتحق بفرنسا، وقسم آخر ينتقل إلى الجيش اللبناني، والمسؤول العسكري الأول عن هذه الثكنة ضابط شاب عمره ثمانية وعشرون سنة، طويل القامة مثل المارد، اسمه "رولوش". بدأ هذا الـ"رولوش" تشغيلنا بقساوة أعمالاً تشبه الأشغال الشاقة. يأخذنا كل يوم، حوالي الخامسة صباحاً من ثكنة "القبة" في "طرابلس" إلى "المينا"، جرياً على الأقدام. وفي "المينا" كان ينتظرنا نهار عمل من السادسة وحتى السادسة. للفطور ربع ساعة وربع ساعة للغداء، وفوراً إلى العمل المتواصل. حتى يوم الأحد، ولينتقم منا أكثر، كان يحمِّلنا أعمدة الهاتف الخشبية الطويلة ننقلها من مكان إلى آخر، داخل حوش الثكنة الكبير. لم أعد أحتمل هذا العمل المضني والشاق. ومن كثرة ما حملت هذه العواميد الخشبية على كتفي، "جلط" لحم الكتف، وبان "العظم". وكلما كان ينادي أحد من الجنود العمال، كان يقول له :
يا خائن ! تعا يا خائن ! روح يا خائن !
قلت في نفسي : سأضرب "الجوزة بالحجر" إذا نزل "جوز" آكل وإذا لم ينزل "مش مهم !" راح الكثير و"ما بقي إلاَّ القليل !
اقتربت من "رولوش" هذا، وضربت "الكعب على الكعب"، وتحية عسكرية جدية، وبصوتٍ جاهوري، متماسك صرخت :
أتسمح لي بالكلام يا سيدي؟
نظر إليَّ "رولوش" بعينيه المصبوغتين باللون الأحمر، مثل عيون الكلب المصاب بداء الكَلَب، صارخاً بأعلى طبقات صوته :
ماذا تريد؟
رجفت منه ومن صوته الذي يشبه صوت الرعد، ولكنني تمالكت نفسي وتابعت :
"لست متطوَّعاً للالتحاق بالجيش الفرنسي. أنا وطني. أنا شيوعي. أنا أعرف الكثير عن "موريس توريز" و"جاك ديكلو"...
وهؤلاء الأشخاص كنتُ قد قرأت عنهم سابقاً في جريدة الحزب. قرأت عن بطولاتهم في المقاومة الفرنسية، ضد الاحتلال النازي. وذلك عندما كنت أشتري جريدة "صوت الشعب"، أثناء وجودي في "طرابلس"، وتابعت :
وحتى الآن، لم أحصل على تصريح ينقلني إلى الجيش الوطني ! لقد مضى أكثر من ثلاثة أشهر على تقديمي الطلب، ولم ألقَ أي جواب ! ماذا تريدني أن أفعل. أنظر إلى كتفي، لم أعد أحتمل !
نظر إليَّ نظرة احترام، قائلاً :
أنت شيوعي؟
نعم ! ( وبسرعة سحبتُ بطاقة الحزب من جيب سترتي) وهذه هي بطاقتي !
ورأى "رولوش" صورة "المنجل والمطرقة" وقال :
وأنا أيضاً شيوعي، تعال يا رفيقي !
وكانت لحظة سعيدة في حياتي، عندما سمعت هذا الضابط الفرنسي الشاب يتفوَّه بكلمة "رفيقي" وكلمة "شيوعي". وقلت في نفسي : "كم نحن كُثُر يا أسد في هذا العالم" !
توجَّهت صوبه، توجَّه صوبي ! طوله حوالي المترين،حملني وطبع قبلة على جبيني، قائلاً :
ماذا تفعل بين هؤلاء الخونة؟ تصوَّر أنَّ بلادهم على عتبة الاستقلال الوطني، وهم ذاهبون مع فرنسا إلى "مدغشقر" أو إلى "الجزائر" للالتحاق بالقوات الفرنسية هناك ! اتبعني إلى مكتبي.
دخلت مكتبه، وبدأ حديثه، وكنت خلال فترة وجودي في الجيش الفرنسي، قد أتقنت جيداً الفرنسية. ولكن عندما بدأ "رولوش" حديثه، لم يكن أمامي سوى الرد بكلمة "وي" Oui. احتساباً لرهبة حديثه الجاد، وخاصة بعدما عرفت بأنَّه شيوعي، فقلت :" ابق يا صبي عالـ Oui وشو بـــدك بالـNo !".
وتابع الرفيق "رولوش" حديثه عن الخونة وعن انهيار الاستعمار العالمي، ومنه الاستعمار الفرنسي، حيث تمكنت الشعوب من أخذ استقلالها الوطني، كبداية أولى. وتابع :
سيخونون رايتهم الوطنية بذهابهم مع الجيش الفرنسي إلى مكان آخر، ولهذا السبب أعامل هؤلاء الخونة هذه المعاملة السيئة القاسية. أتعلم كم ضحّى حزبنا في سبيل استعادة أراضيه، خلال الاحتلال النازي؟
كم ؟
أكثر من خمسة وسبعين ألف شهيد من حزبنا فقط، في سبيل تحرير فرنسا !
وأثناء الحديث، تصل برقية من وزارة الدفاع الوطني في الجيش اللبناني، وسمعت نص البرقية من راديو اللاّسيلكي المجاور في طرف الغرفة، وكان رقيب فرنسي يتلقَّى ويدوِّن البرقية :
" الجندي أسد روحانا، رقم بطاقته 434 يُنقل من كتيبته إلى الجيش اللبناني بتاريخ 16 حزيران 1946، وعليه الحضور إلى المكتب الرئيسي على طريق الشام. الإمضاء : فؤاد شهاب، القائد العام للجيش اللبناني".
إنَّ الجندي الفرنسي الذي تلقَّى البرقية دوَّنها وأعطاها لـ"رولوش" قرأها وقال موجِّهاً كلامه لي :
أتعرف "أسد روحانا"؟
أنا هو يا رفيق !
قام من على كرسيه، سلَّمني البرقية، ومدَّ يده مصافحاً ومهنِّئاً بالتحاقي بالجيش اللبناني. بعدها أدخلني إلى غرفة ثانية، يجتمع فيها الضبَّاط. تحية لقادة العسكر، ومن ثم وقفت إلى جانب "رولوش" على منصَّة صغيرة. صمت كبير في القاعة، وصوت "رولوش" يخترق الجدران، والصَّدى يردِّد :
إنَّ هذه المدة القصيرة التي خدمتها في جيشنا، ليس لها اعتبار، لأنك أنت لبناني في جيش أجنبي. ولكن سيبدأ فخرك وافتخارك في الانتماء والعمل عندما ستبدأ غداً خدمتك الفعلية تحت رايتك اللبنانية. ونحن باسم الجمهورية الفرنسية، وباسم الجيش الفرنسي، وباسم رفاقي الضباط نتمنى لك التوفيق !
وشد على يدي، ورجع خطوة إلى الوراء. وقفت استعداداً وتأهُّباً، ثم تابع كلامه :
يمكنك الآن مغادرة الثكنة !
مشيتُ. مشى. ومشت كل القاعة معي. وخرجنا من الباب الكبير، وتابعتُ لوحدي إلى باحة الثكنة، أدَّيت التحية، وأسرعت في المشي، حتى وصلت إلى الباب الخارجي. تطلعت إلى الوراء، فرأيتهم أمام الباب الكبير يقفون ويلوِّحون بسلامهم العسكري.

التحقت بالجيش اللبناني في حزيران من سنة 1946.

سنة 1948، كنت أخدم في "الناقورة" على الحدود. أتانا أمر حزبي لتلْفِ بطاقاتنا الحزبية ولأسباب أمنية مستجدة. ولليوم أعرف تحت أيّة "خرّوبة" دفنت بطاقتي هناك. لقد أجريت عملية مراسم دفن البطاقة تحت "الخرّوبة" ووضعت عليها الأحجار، وقلت لها : "نامي هنا للتاريخ" !
وبدأ العهد السرِّي في الحزب، وكنت في "بيروت" مع مجموعة من الرفاق العسكريين : "إسبر بيطار"، "موسى شحادة"، "بطرس عيد"، "جوزف الجزار"، "ميلاد فريد" و"ميشال عوض".
سنة 1949 وقع والدي عن ظهر "دابّته" وأصيب إصابة بليغة في رأسه، فقد على أثرها الوعي. وظلَّ في هذه الحالة أكثر من أسبوعين، حيث وافته المنيَّة في 24 تشرين الثاني، متأثراً بجراحه.
مات "أبو يوسف" وانطفأ قنديله الذي كان يكشح بنوره ظلام القهر والعذاب. وفي اليوم التالي، أقيمت مراسم التشييع، وبعد الجنازة مباشرة، ركبت السيارة متَّجهاً إلى "بيروت" لارتباطي بموعد سابق لاجتماع حزبي في مكان ما في تلةٍ جميلةٍ "الرمل".
ونحن مَنْ؟ مجموعة عسكر. يعني ذلك، مجرد إشارة إلى انتمائنا الحزبي، تكون النهاية لنا جميعاً. وكان من شروط اجتماعاتنا الأولى القاسية، أنه إذا تخلَّف رفيق خمس دقائق فقط عن موعد الاجتماع، يُلغى فورياً مكان الاجتماع، ويُنقل مباشرة إلى مكان آخر، علَّه يكون هناك مخبر، وكي لا تقع المجموعة كلها بـ"الشرك"، كنا نتحلَّى بيقظة ثورية.
ركبت السيارة من "عمشيت" إلى "جبيل"، ومن "جبيل" إلى "بيروت"، وصولاً إلى ساحة "البرج" ومن ثم سيراً على الأقدام حتى ساحة "المعرض"، لأجد سيارة "فورد بو دعسة"، أقلَّتني إلى مكان الاجتماع، متأخراً حوالي ربع ساعة. التقيت برفيقين، قالا بغضبٍ شديد :
يا رفيق. في محاكمة !
انتقل الاجتماع إلى منطقة "الأوزاعي" على شط البحر. وذهبا في طريقهما وأنا سلكت طريقاً آخر، مشياً على الأقدام، من تلةٍ في "الرملة البيضاء" حتى وصلت إلى مكان الاجتماع في "الأوزاعي" منهوك القوى. صرخ الكل :
يا رفيق ! في محاكمة !
يا رفاق ! لو تعرفوا سبب تأخري لعذرتموني، وأنا المنضبط بأوقات المواعيد. وتابعت :
البارحة، الساعة الثانية عشرة ليلاً توفي والدي، وفي الساعة الرابعة من بعد ظهر اليوم، بدأت مراسم الجنازة، وانتهت في السادسة والنصف عصراً، ومن "عمشيت" إلى "بيروت" في ساعة ونصف، ركضاً بركض كي لا يفوتني الاجتماع.
عندها قدَّم لي الرفاق تعازيهم، وبدأنا اجتماعنا المقرَّر.
كنت المسؤول المالي في التنظيم. تبرعات. إشتراكات. أحافظ عليها كحفاظي على بؤبؤ عيني تماماً. إنها ماليّة الحزب، وأنا أمين هذا المال. كنت آخذ المالية الساعة العاشرة ليلاً، كل شهر مرة، وأقف بالقرب من كنيسة الوردية في شارع "الحمرا" لأسلِّمها لرجل قصير القامة يضع على رأسه "برنيطة". لهجته خاصة، يمرُّ عليَّ. كلمة سرٍّ تجمعنا :
" أسّاد" !
إيه نعم !
هذه في المرة الأولى، لم نكن نعرف بعضنا. شلح كلمته، سلَّمت عليه وسلَّمته المالية ومضى. كنت أنتظر كل شهر الرجل القصير القامة، والذي عرفته فيما بعد، بـــــــــــ"أرتين مادويان".(*)

بعدها انتقلت إلى "طرابلس" وأصبح اتصالي مع الرفيق "أحمد المير الأيوبي". وأذكر أنه عندما يكون عندنا "مناورة" لقوى الأمن مع الجيش، لملاحقة "مُطارَدين" في جرود "عكار" : "الفنيدق"، "القموعة" وغيرها. كنت أقصد قبلها بليلة مكتبة "ميشال فرح" وآخذ من عنده كل أعداد جريدة "الأخبار"، جريدة الحزب. آخذ الأعداد وأضعها في "صرَّتي" العسكرية، ومن ثم إلى داخل الملاّلة التي أستقلها. وبعد وصولنا إلى منطقة "عكار"، أحاول إقناع العسكر بشراء الجريدة، وكان سعرها خمسة عشر قرشاً. وصل الخبر إلى الشعبة الثانية، حققوا معي، ولم يثبت عليَّ شيء. وكنت أقبض سعر الجريدة من

***

(*) من القيادات التاريخية للحزب الشيوعي اللبناني
العسكر، وكم تمنيت أن أوزعها بـ"بلاش" ولكن من أين لي هذا !؟ معاشي محدود ! و"عندي عيلة" ! لقد قمت بهذه العملية عدة مرات و"ظمطت" !.

سنة 1953، كلٍّفت من قِبَل الحزب لأنقل إلى منظمة "عمشيت" منشورات ليتم توزيعها في المنطقة. وبما أنني لا أُفتَّش، خاصة وأنا أرتدي بدلتي العسكرية، وفوقها المعطف السميك في أيام الشتاء. يومها، "حشوت" المنشورات في كل زاوية من ثيابي، وزاد وزني حوالي العشرين "كيلو". وصلت إلى "عمشيت"، وكان بانتظاري "يوسف ضومط" في دكانه بالساحة. كل رجالات الفكر، عند "يوسف ضومط" الإسكافي الفقير، يتزوّدون بحديثه وخبرته في كافة شؤون الحياة، وهو أمام "سدّانته" يصنع الشواريخ لأولاد الفقراء، وحتى الوجهاء كانوا يطأطئون رؤوسهم عندما يدخلون دكانه الصغير.
كانت السماء تمطر دون انقطاع، عندما مررت من أمام هذا المحج، وكان عنده "نسيب لحود" و"وديع لحود"، نظرت إلى "يوسف" وغمزته، قام من على كرسيه، واستأذن من مجالسيه الذين لم يروني. مشيت ولحقني "يوسف ضومط"، والمطر ينهمر على رؤوسنا. كيف سأتدبَّر الأمر، وأعطي لـ"يوسف" الحمل؟ وصلت إلى "حي التينة" وبعدها إلى تخوم "حي العرْبة"، نزولاً إلى وادي "مار زخيا"، وهناك كان لـــــــ"يوسف ضومط" مغارة سرية صغيرة، داخل صخرة كبيرة يضع فيها كل الممنوعات : من كتب ومناشير. أفرغت في داخلها حمولتي، وبسرعة كي لا يرانا أحد، عدنا وافترقنا كل في طريق، ومن يومها أصيب "يوسف ضومط" بنزلة صدرية حادة، لم ينجُ منها، ولم يكن هناك مال لاستدعاء طبيب أو للذهاب إلى المستشفى أو لشراء دواء. داوى نفسه بنفسه، ولكن... مات "يوسف ضومط" بعد شهر واحد من حصوله على تلك المناشير.
"يوسف ضومط" المشعل الذي كان ينير لنا الطريق. إنه أحد أعظم شهداء الحزب المغمورين. وبموت "يوسف ضومط" انحسرت الحركة الشيوعية في "عمشيت"، ولكنَّ الجذور بقيت، وقد تابع آخرون، ولو بحركة بطيئة : "وهيب رزق الله"، "يوسف العرم" وغيرهما.

سنة 1958، "الولايات المتحدة الأميركية" تتدخل بشؤوننا الداخلية، وتطلب مباشرةً من رئيس الجمهورية آنذاك، "كميل نمر شمعون" وعلى أثر خلافه الحاد مع قيادة الجيش، في ما يخص هذا الموضوع بالذات. كانت فرصة لي يومها، حيث وقفت على دبابةٍ أمام سباق الخيل في وزارة الدفاع وألقيت خطاباً "عرمرمياً" للجنود المحتشدين في الباحة الذي لم أعد أذكر منه سوى هذا المطلع :
" يأ أبطال الأولية ! يا أحفاد "طانيوس شاهين" ! إنَّ يوم الاستشهاد، يوم البطولة، يوم العزَّة قد أتى. لن يمر هؤلاء الغزاة، هؤلاء "اليانكي" لن يمروا إلاَّ على أجسادنا، مهما كانت قدرتهم العسكرية !".
خطابي الطويل هذا، لم يعجب "المتشمعنين" في الجيش، فمهَّد لي طريق الخروج من السلك، ولم يمنع الغزاة من الدخول إلى أرضنا.
وبعد أن تنقَّلت من منطقة إلى أخرى، في خدمتي بالجيش اللبناني، عدت إلى بلدتي، حيث أخذت على عاتقي مهمة بعث الفكر وبعث التراث الشعبي العمشيتي لأنه وسام على صدر "عمشيت" وتاريخ "عمشيت"، خاصة عندما كانت الشيوعية "فزَّاعة" في منطقة "كاثوليكية"، مثل منطقة جبيل، ولا بد هنا أن نذكر بأن ينبوع الشيوعية كان في جارتنا "حصرايل" المتمثلة بالكبيرين "فرج الله الحلو" و"يوسف خطار"، والقاعدة الأساسية كانت "عمشيت". وتابعت نضالي المتمثل بحب الشعب، ولا سيما الكادحين منهم......]

وهكذا طلع الصبح علينا و"أسد" يروي ولا يتعب...
إيش بدي خبرك يا مرسيل؟ في كتير أخبار ضاعت من ذاكرتي...
فنجان قهوة مرَّة بعد ليلة بيضاء، ينشِّط قليلاً، ولكنَّ قهوة "أسد" سُكَّرها زيادة، رشف قهوته بسرعة، وكانت الشمس قد حميت قليلاً، عندها ودَّعني ليصل إلى "الكفاءات" قبل "العجقة".

شكراً يا "أسد" لأنك عبَّرت بحكاياك عن الحياة التي تمشي من الجهل إلى المعرفة، ومن العبودية إلى الحرية، وأذكِّرك بأواخر الستينات، ومطلع السبعينات عندما طلبت منك بطاقة "وطن حر وشعب سعيد" ، أجبتني كما أجابك "يوسف ضومط" في الثلاثينيات :
بعدك صغير !
لقد كبرتُ يا "أسد"، زوِّدني ببطاقة.

Repérage des citations dans la presse libanaise
http://www.citations-explorer.com/

<FONT color=#ff0000 face=Arial>Pétition
Non au terrorisme de l’Etat d’Israël
<A href="http://www.aloufok.net/spip.php?article2">http://www.aloufok.net/spip.php?article2