Al-Oufok

Site du Mouvement Démocratique Arabe

Accueil > Les communistes arabes > <DIV align=left dir=rtl>العالم العربي ولبنان في عين العاصفة وانعكاس اشتداد (...)

<DIV align=left dir=rtl>العالم العربي ولبنان في عين العاصفة وانعكاس اشتداد الأزمة العالمية على المنطقة العربية والشرق الأوسط</DIV>

lundi 5 décembre 2011, par الحزب الشيوعي اللبناني

تقرير سياسي صادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني

يشهد العالم، منذ أواسط شهر أيلول الماضي، تطورات متسارعة ومفصلية في المجالين الإقتصادي والسياسي بالارتباط مع اشتداد الأزمة العامة للرأسمالية، من جهة، والتحركات العمالية والشعبية التي تجتاح بلدان المركز الرأسمالي، من جهة أخرى، مطالبة بوضع حد لسياسات الافقار والتهميش والبطالة والمديونية. ويمكن القول أن بعض هذه التطورات تكاد تلغي الإنجازات التي حققتها الحركات العمالية والشعبية في أوروبا والأميركيتين خلال عقود من الزمن، وان انعكاساتها ستكون مدوّّية، ليس فقط في ما يسمّى بـ "منطقة اليورو"، بل وكذلك في بلدان الشرق الأوسط، عموماً، والمشرق العربي على وجه الخصوص.
فاشتداد الأزمة البنيوية للنظام الرأسمالي وانعكاساتها الاقتصادية-الاجتماعية على دول المركز الرأسمالي كلها دون استثناء منذ العام 2008، نتيجة فشل كل الحلول الاقتصادية والمالية التي طرحت لتجاوزها، أو على الأقل للتخفيف من وطأتها، وازدياد الصعوبات السياسية للنخب البرجوازية الحاكمة ستدفع هذه الدول أكثر فأكثر بالاتجاه الساعي للهروب الى الأمام، بما يعني ذلك المزيد من التوتير العسكري والأمني والحروب الإقليمية التي تعطي دفعاًً لصناعات الأسلحة ولدور الشكات الأمنية،الا أنها تزيد من البطالة، خاصة داخل الفئة الشابة وتحاول أن تدفع بمئات الآلاف من بينهم في أتون الحروب العدوانية التي تخوضها في مختلف المناطق، ظانة أنها بذلك تمنع بقاءهم في الشوارع والساحات يتظاهرون من أجل حقهم في العمل والعلم والتأمينات الإجتماعية والصحية.
على الصعيد الأوروبي، أولا، يمكن الجزم أن الأزمة اليونانية أصبحت عصية على الحل بالإتجاه الذي وضعته لها المبادرات الأوروبية المتتالية، ومعها صندوق النقد الدولي. ولم يعد لاستبدال رئيس وزراء بآخر، حتى لو كان مصرفيا معروفا، أن يخفف لا من الدين العام المتراكم أو من حالة الانكماش طالما لم تتغير وجهة الحلول المتداولة والتي تذهب كلها باتجاه تحميل الطبقة العاملة والجماهير الشعبية لوحدها نتائج الأزمة. والإنهيار المتوقع في هذا البلد سيطلق، من دون شك، عملية انهيارات شاملة تدريجية (دومينو) باتجاه الغرب، بدأت بوادرها تظهر، ليس فقط في إيطاليا واسبانيا والبرتغال وايرلندا، بل كذلك في فرنسا وبريطانيا اللتين تعيشان، اليوم، حالة إنكماش حاد... وحتى ألمانيا لم تعد، بمنأى عن هزّات قادمة، وإن تكن التدابير التي اتخذتها المستشارة أنجيلا ميركل في المجالين الإقتصادي والمالي قد خففت بعض الشيء من تسريع الإنهيار.
أما على صعيد الولايات المتحدة، فتعيش هاجس كيفية استيعاب الهزيمة الناجمة عن الانسحاب من العراق دون تمكنها، بالمقابل، من توقيع الاتفاقية الأمنية التي كانت تسعى اليها جاهدة، والتي تعثرت بفعل عدم الوصول الى تفاهم مع ايران في هذا المجال، اضافة الى هزائم الماضي القريب في نيكاراغوا والبيرو وعدد آخر من دول أميركا اللاتينية التي خرجت من تحت السيطرة لتتجه باتجاه الموقع المواجه. كما تعيش هاجس هزة كبرى جديدة بفعل عدم نجاح التدابير الاقتصادية التي اتخذتها في مجال الخروج من الأزمة، خاصة وأن بعض التقارير التقارير الاقتصادية الحديثة (IHS Global Insight)، تلفت النظر الى أن الوضع لا يزال هشاً (المخاطر تتعدّى نسبة 40 ٪، والمصارف المفلسة ارتفعت الى 55 مصرفاً).
هذه الأزمة المستمرة تعيدنا الى استنتاج سبق لنا أن طرحناه منذ ما يقارب ستة أشهر، مفاده أن منطقة اليورو قد بدأت بالتفسّخ من الداخل، وصولاً الى احتمال الإنفجار الذي سيحمل في طياته إطلاق عمليتين متناقضتين، كما حصل غداة الانهيار الكبير في العام 1929، أي تحركات عمالية وشعبية واسعة، من جهة، انما كذلك حركات فاشية جديدة ومعادية للأجانب، من جهة أخرى. اضافة الى ما تقدم، سيؤدي التسابق الرأسمالي على تقسيم العالم من جديد، في ظل توازن الرعب النووي بين المراكز الرأسمالية القديمة والمستجدة (روسيا)، وفي ظل الصراع الناشيء مع روسيا والصين (وحتى الدول الرأسمالية الناشئة) على اقتسام الأسواق العالمية والمواد الأولية الى توقّع لجوء الامبريالية، بقيادة الولايات المتحدة الى تفجيرالمزيد من الحروب الاقليمية الجديدة. وستكون منطقة الشرق الأوسط، مرّة أخرى، المسرح الأساس لها، انطلاقاً من سهولة تفجير صراعات مذهبية واثنية في تلك المنطقة (كما تدل عليه التجربة العراقية والسودانية وغيرهما)، وكذلك امكانية استخدام بعض الأنظمة العربية (قطر مثلا) وحتى النظام الرسمي العربي عموما في تنفيذ المخطط الامبريالي الرامي الى تحقيق مشروع "الشرق الأوسط الجديد"، خاصة في ظل عدم ثبات الوضع الناجم عن الانتفاضات العربية، وعن ثورتي تونس ومصر بالتحديد.

أولاً- مستجدات الوضع العربي

لقد سبق للتقرير المقدم من اللجنة المركزية الى الكونفرانس المركزي (المنعقد في شهر أيلول الماضي) أن أشار الى المتغيرات السياسية على المستوى العربي. وحدد ان العالم العربي يمر في "حالة ثورية" ناجمة عن تغييرات عميقة في بنية النظام العربي الرسمي ككل، وفي أوضاع كل من بلدانه. الا أنه أشار أيضا الى هشاشة الوضع الناجم عن أن موت النظام السابق لم ينتج بديلا جديدا، وأن إستمرار الصراع حول البديل يمكن أن يفضي اما الى تمكّن القوى المضادة من احتواء الوضع الثوري أو، بالعكس، عبر القطيعة مع الماضي، الى تمكين القوى التغييرية (الشباب والهيئات والاحزاب ..) من مواصلة ثورتها حتى تحقيق كامل أهدافها. وكتعبير عن هذا التنازع بين منطق الاستمرار ومنطق القطيعة، يشير التقرير الى الهجوم الذي تشنّه الولايات المتحدة الاميركية وحلفاؤها على الانتفاضات العربية، وبالتحديد ثورتي تونس ومصر، انما هو نتيجة تنبّه القوى الامبريالية الى ان اهداف الثورتين المذكورتين لا يتوافق مع المشروع الاميركي الجديد للشرق الاوسط، خاصة وانهما نجحتا "في استعادة أشكال من الديمقراطية في البلدين، وطرحتا قضية البناء المؤسسي كبديل عن الانظمة الاستبدادية وحكم العائلة والاجهزة. كما أتاحتا تعزيز موقع البلدين على الساحة السياسية العالمية، وبخاصة مصر التي اتجهت نحو استرجاع دورها السياسي على المستويين العربي والاقليمي، كمقدمة لاحتمال خروجها لاحقا من مسار كامب دايفيد. وانطوت الثورتان أيضا على ترابط تكويناتهما الاجتماعية، من خلال تحالفات واسعة ضمّت النخب الشبابية والعمالية "والطبقة الوسطى" والعاطلين عن العمل (المتعلمين منهم بشكل خاص). وهذا ما كسر حاجز الخوف واثبت القدرة على التغيير، وعزّز انتقال "العدوى" الى اكثر من بلد عربي، من اليمن الى البحرين والعراق وليبيا والاردن وسوريا ولبنان".
على أساس هذا التحليل ننظر الى المستجدات، بدءا بالنتائج التي تمخضت عن تعديل الدستور في مصر،، أو عن انتخابات الهيئة التأسيسية في تونس ووصولا الى التحركات الجديدة المطالبة بتسليم السلطة في مصر الى حكومة مدنية... تجدر الاشارة أولاً الى أن المحاولات الحثيثة التي بدأتها الولايات المتحدة، بالاستناد الى البرجوازية المحلية في كل من مصر وتونس وبقايا النظام الرسمي العربي، لاجهاض التغيرات التي أنجزتها ثورتا البلدين، قد استطاعت أن تحقق نجاحاً جزئياً. اذ أن التعديلات التي طرأت على الدستور المصري لم تغير في جوهره، بل على العكس من ذلك، فهي اعطت الفرصة للقوى الاسلامية للتقدم باتجاه تثبيت أقدامها، تماما كما عاد فحصل في تونس، حيث استطاعت أموال السعودية وقطر، الى جانب تحرك جيفري فلتمان وريتشارد بيرنز مع حكومة السبسي، أن تفرض نظاما انتخابيا معقدا ومبنيا على الدوائر الصغرى أفسح في المجال أمام حصول حركة النهضة الاسلامية على عدد كبير من المقاعد لا يتناسب وحجمها الفعلي.

تقسيم ليبيا ومخطط اعادة النظر بحدود الدول الأفريقية

أما في ليبيا، فاستطاعت الولايات المتحدة، ومعها حلف شمال الأطلسي، عبر الاطاحة بنظام القذافي، من تسجيل إنتصار مرحلي ثان في شمال القارة الأفريقية، يلي ذلك الذي تحقق بفعل الإمساك بورقة جنوب السودان بعد تقسيمه. وهذا الإنتصار يمكن أن يحقق تقدماً ملموساً في المخطط الذي وضعته الادارة الأميركية السابقة وبالتحديد وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، بتشكيل "القيادة الأفريقية العسكرية" - "أفريكوم" من أجل إعادة النظر بحدود الدول الأفريقية كلها، بدءاًً من شمال القارة. ذلك أن تفتيت ليبيا، بعد السودان، يفتح الطريق باتجاه التشاد (حيث تبني الولايات المتحدة أضخم مشروع خط أنابيب بين هذا البلد والكاميرون بكلفة 3700 مليار دولار) والنيجر وكذلك باتجاه الجزائر، غرباً.. كما أنه يضرب عصفورين بحجر واحد :

- أولهما، الإستيلاء على الثروات النفطية، وغيرها، الموجودة في أكبر بلدين أفريقيين لم يتم اكتشاف كل ما تزخر به أرضهما بعد (ويقال في هذا المجال أن الصحراء الليبية وكذلك منطقة "السدود" في جنوب السودان تقعان فوق بحيرتين ضخمتين من النفط)...

- أما ثانيهما، فوضع حجر الأساس لإعادة تنظيم الأسواق والمحميات، وتوجيه ضربة جديدة موجعة للاستثمارات الصينية في أفريقيا ككل، خاصة في مجال البترول (بعد تلك التي تلقتها تلك الاستثمارات في السودان لصالح الشركات الأميركية العملاقة)، اذ تأمل الولايات المتحدة ودول المركز الرأسمالي الأخرى أن تكون ضربة ليبيا المقدمة لإخراج بكين نهائياً من كل أفريقيا.

2 – أهداف سياسة ابراز القوى الاسلامية

في ظل هذا السعي الإمبريالي الأميركي - الأوروبي لإعادة تنظيم وضع اليد على أفريقيا، تأتي تطورات الوضع في تونس وفي مصر لتلفت النظر الى أن الإمبريالية، الأميركية خصوصاً، بدأت العمل على تكوين الأدوات التي ستحكم بواسطتها المواقع الأساسية في المغرب العربي (حيث استطاعت تحقيق بعض التقدم) لتنطلق منها باتجاه إعادة تنظيم الأوضاع في فلسطين والعراق وسوريا ولبنان، بما يعطي دفعاً جديداً لمشروع "الشرق الأوسط" المتعثر.
وإذا ما عدنا الى المواقف التي تضمنها خطاب باراك أوباما في جامعة القاهرة، بعد عام على انتخابه رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، فإن التوجه، منذ ذلك الوقت، كان ينحو ناحية إبراز دور ما يسمى ب "القوى الإسلامية المعتدلة" بديلاً لما كان يسمى ب "أنظمة الإعتدال" التي انهارالعديد منها بفعل الانتفاضات. ذلك أن هذه القوى الاسلامية تمثل، في رأس هرمها، شريحة أساسية من البرجوازية العربية؛ وهي، من هذا المنطلق، مستعدة للتعاون ليس فقط مع الامبريالية بل كذلك مع الكيان الاسرائيلي (وهذا ما برز في عدم طرح حركة الاخوان المسلمين، مثلا، اعادة النظر باتفاقية كمب دايفيد أم غيرها من الاتفاقيات السياسية والاقتصادية المعقودة بين بعض الدول العربية والكيان الاسرائيلي). ثم ان هذه القوى قادرة على وضع اليد على الإنتفاضات والثورات وتحويلها عن مجراها التغييري، من خلال شعارات عامة لا تمس مصالح البرجوازية العربية أو تبعيتها للرأسمالية أو خاصة أساس النظام البرجوازي (بدءاً من محاربة الفساد الى دور الدين في التربية والإخلاق). بل على العكس من ذلك، يشكل وصول مثل هذه القوى اسهاماّ في مواجهة القوى الثورية ذات المصلحة الحقيقية في التغيير، وفي مقدمتها قوى اليسار، التي لم تحافظ، خاصة في تونس، على "جبهة 14 جانفيه" التي أقامتها بعد اسقاطها بن علي، فأسهمت من خلال تشتت قواها في الانتصار الذي حققته حركة النهضة، بزعامة راشد الغنوشي، في انتخابات المجلس التأسيسي... من هنا يمكن فهم المواقف التي أطلقها المسؤولون الأميركيون في الأسبوعين الماضيين ومفادها استعدادهم للاعتراف ب"القوى الإسلامية" والتعاون معها على كل المستويات، متخطين تصريحات المجلس الإنتقالي الليبي حول العودة الى الشريعة كمصدر وحيد للحكم وخطرها على الديمقراطية التي ادّعوا دعمها في ليبيا ومتناسين كل المواقف التي أطلقوها في الماضي القريب...
إضافة الى ما تقدم، لا بد من التوقف عند سببين اضافيين آخرين :
أولهما إن عودة القوى الإسلامية "السنيّة" الى واجهة الأحداث في أكثر من بلد عربي (مصر- تونس- ليبيا) تعطي دفعاً عالمياً جديداً لنشوء "الدولة اليهودية" التي يطالب بها الكيان الصهيوني منذ مدة، من خلال تأمين الحجة لحكومة نتنياهو حول اضطرارها الى تأمين سبل "الدفاع عن النفس" من أي فعل مقاوم؛ أما ثانيهما فيكمن في اعادة اطلاق عملية استكمال تفتيت المنطقة العربية كلها عبر ما سمي ب "الهلال السني" المقابل ل "الهلال الشيعي" المتضمّنين في مشروع الشرق الأوسط الجديد، بدءا باستكمال تفتيت العراق عبر الاعلان عن اقليم سني يتوسط الاقليم الشيعي المرتبط بايران والاقليم الكردي الذي تركزت أسسه منذ بضعة سنوات.
من هنا يمكن فهم كل التجنيد السياسي والمالي والاقتصادي والاعلامي الذي جرى - كما أسلفنا - في انتخابات تونس، بهدف تمكين تجمع النهضة من السيطرة على المجلس التأسيسي؛ كما تفهم أيضا أسباب استعجال تعديل الدستور في مصر، قبل ذلك، باتجاه جعل الشرع الاسلامي المصدر الوحيد للتشريع مع الابقاء على كل صلاحيات رئيس الجمهورية، أي باتجاه لا يتلاءم والشعارات التي قامت عليها الثورة المصرية، دون أن ننسى التحالفات التي تكوّنت بين قيادة المجلس العسكري وقيادة الاخوان المسلمين والتي يهدف من ورائها الى تمكين "الأخوان المسلمين"، هنا أيضاً، من احراز انتصار بدأ الحديث عنه، منذ فترة، في الأوساط السياسية الأميركية والأوروبية. والملفت للنظر أن راشد الغنوشي والعديد من أركان النهضة كما قيادات الاخوان المسلمين في كل من مصر والأردن وسوريا كانت موجودة ودون مشاكل أو معوقات في الدول الأوروبية، وبالتحديد في بريطانيا وألمانيا، في مرحلة طغى عليها شعار التخويف مما اطلقت عليه تسمية "الارهاب الذي يستخدم الدين".
كما يمكن فهم الهجوم المتوقّع الذي تعد له واشنطن لتدجين الثورة المصرية وحرفها عن مضمونها، خاصة وأن قوى الثورة المصرية، وبالاستفادة من تجارب سابقة، أيام حسني مبارك، وكذلك مما جرى في تونس، تخوض اليوم معركة شرسة تجلت بشكل خاص في عودة الحراك الشعبي الى ميدان التحرير بالقاهرة والعديد من المدن مستظلا بمبادرة سياسية متكاملة من قبل "الجمعية الوطنية للتغييرلا"، شعارها "نحو حكومة إنقاذ وطني و جيش يحمي ولا يحكم و أمن يصون ولا يفرّط ". أما مقومات المبادرة، فتتلخص في نقل السلطة فورا من المجلس العسكري الى حكومة مدنية تكون مهمتها تنفيذ التدابير المتعلقة بتطهير الدولة والقضاء والاشراف على حفظ الأمن وتعديل الدستور والقوانين وانتخاب رئيس ومجلس نيابي جديد...

3- ترتيب الانسحاب من العراق ومواجهة ايران وروسيا

في الوقت عينه، تتابع الامبريالية الأميركية محاولاتها لترتيب أوضاع انسحابها من العراق في أواخر العام الحالي، ساعية، على وجه الخصوص، الى تحقيق مجموعة نقاط يمكن لها أن تخفف من وطأة الهزيمة التي منيت بها. هذه النقاط، المرتبطة مباشرة باخفاق المسؤولين الأميركيين في ايجاد ضمانات لمن سيبقى من جنودهم، بعد تراجع نوري المالكي عن توقيع المعاهدة الأمنية، هي :

- التحضير لموجة تصعيد أمني داخل العراق (تفجيرات، اغتيالات).

- اعطاء موقع اساس ومركزي لتركيا داخل العراق، بحجة تمدد حزب العمال الكردستاني الى منطقة كردستان العراق و"وجود اتفاق بين هذا الحزب وسوريا (بمباركة ايرانية) لتأجيج صراعات داخل تركيا بما يخفف عن سوريا الضغط التركي".
- اعتماد سياسة الهجوم الدبلوماسي على ايران دون اغفال احتمال توجيه ضربات امنية لها، عبر اعطاء اسرائيل الضوء الأخضر لوضع تهديداتها موضع التنفيذ، في حال عدم التوصل الى الاتفاق مع طهران بالنسبة للوضع اللاحق للعراق. وتستفيد الادارة الأميركية من الحملة التي يقودها "صقور" الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الصحافة والإعلام وكذلك في الكونغرس الأميركي بضرورة شن عمل عسكري دولي بقيادة الولايات المتحدة لإزالة البرنامج النووي الإيراني. كما تستفيد من التحذيرات التي أوردتها وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الأخير والتي شبهها السيناتور الأميركي جو ليبرمان ب"التحذيرات الاستباقية التي أطلقتها لجنة Hart-Rudman في كانون الثاني 2001 حول توقع هجوم إرهابي كبير داخل الولايات المتحدة".
- الاسراع في ترتيب أوضاع دول الخليج من خلال تنفيذ الحلول التي وضعت في بدايات العام الحالي لما يجري في اليمن والبحرين ضمن اشراف مجلس التعاون الخليجي وذراعه العسكري، درع الجزيرة، على الأمن في كل منطقة الخليج. ويأتي في هذا السياق استدعاء علي عبدالله صالح الى السعودية للتوقيع على التنازل عن الحكم، انما لصالح الحفاظ على النظام.

- تنظيم وجود حلف شمال الأطلسي انطلاقا من تركيا (التي تحولت أراضيها الى مقره الرئيس) بما يساعد خطة وضع اليد ليس فقط على ايران، من جهة، بل كذلك - وهنا بيت القصيد - على الجمهوريات الاسلامية التي كانت جزءا من الاتحاد السوفياتي السابق والواقعة جنوب روسيا، بما يضع هذا البلد وسط حصار شبه كامل، يمتد الى أفغانستان (التي وافق رئيسها قرضاي على تواجد قواعد عسكرية دائمة على اراضيها) ، مع انتظار قطع" حبل السرّة" بين روسيا وقاعدتها العسكرية في طرطوس، وبما يساعد كذلك على ضبط ايقاع السياسة الخارجية الروسية ضمن حدود ما يتطلبه تنفيذ مشروع "لشرق الأوسط الجديد".

4 –الوضع الفلسطيني

أما بالنسبة للوضع الفلسطيني، فلا بد من القول، بداية، أن القضية الفلسطينية قد حققت تقدما ايجابيا خلال الشهرين الماضيين. فدخول فلسطين عضوا في منظمة الأونيسكو، حيث لا دور لحق الفيتو، هو انتصار معنوي مهم، وان يكن جزئيا. فالتصويت في الأونيسكو مؤشر جدّي للتغير الحاصل على الصعيد العالمي باتجاه الاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني ورفض استمرار سياسات القمع والاقصاء التي تمارس ضده. واذا ما ربطنا هذا التصويت بالتحرك المتسع أبدا ضمن الرأي العام العالمي تجاه جرائم اسرائيل وبالتحديد الحصار المفروض على غزة، لقلنا أن مسألة اعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد والاعتراف بها من قبل أكثرية عالمية أصبح أمرا واقعا في حال حزمت منظمة التحرير الفلسطينية أمرها وقررت المواجهة، علما أن المواقف الانهزامية لبعض القوى داخل السلطة الفلسطينية قد أعاقت حتى الآن أي امكانية للتقدم؛ بل أكثر من ذلك، فالسياسات المائعة تجاه المفاوضات، المباشرة وغير المباشرة، والتردد في المواجهة أديا الى شل الحركة الداعمة للقضية الفلسطينية.
في هذه الأثناء، وبالاستفادة من المواقف المائعة المشار اليها، بدأت اسرائيل هجوما جديدا مباشرة بعد انتهاء الدورة العادية للأمم المتحدة. وتجلّى هذا الهجوم في اتجاهات ثلاث هي :
. الاستمرار في التحضير لاعلان "الدولة اليهودية"، وعاصمتها القدس.
. بناء مستوطنات جديدة ووضع اليد على المنطقة الجنوبية من القدس، اضافة الى استمرار أعمال التهويد داخل المدينة.
. يترافق كل ذلك مع العودة الى سياسة القصف والقتل والاعتقال التي تمر دون ردود فعل تذكر لانشغال الجامعة العربية بكيفية ضرب سوريا، مستفيدة في ذلك من السياسة القمعية التي ينتهجها النظام السوري، وللمشاكل والانشغالات التي تعيشها العديد من الشعوب العربية.
وحتى لا تضيع القضية، مرة أخرى، في زواريب المفاوضات، نرى أن تطوير مقاومة الاحتلال بكل الأشكال المتاحة هو السبيل الأول والأساس لابقاء القضية حاضرة. كما ان توسيع التحركات الدائمة، من لجان الدعم الى لجان مقاطعة اسرائيل وعزلها، الى أساطيل كسر الحصار والاصرار على محاكمة مجرمي الحرب الصهاينة، تؤدي الى طرح مسألة الدولة بقوة والى التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في العودة. ولعل في ما جرى ضمن منظمة الأونيسكو الدليل الواضح على الامكانيات الكامنة لدى شعوب العالم.

ثانياً – الوضع السوري بعد قرار مجلس الجامعة العربية

يزداد الوضع المتدهور في سوريا خطورة بفعل القرارات التصعيدية غير المسبوقة التي اتخذتها الجامعة العربية بتعليق عضوية سوريا فيها ، وبسحب السفراء العرب من دمشق... وصولا الى فرض عقوبات اقتصادية عليها والى الاعداد لحصارها، بالاستناد الى المواقف التصعيدية المعلنة من قبل النظامين التركي والأردني والى تحركات بعض أطراف ما يسمى بالمعارضة الخارجية، ومنها بالتحديد حركة الاخوان المسلمين.
يضاف الى ما تقدم استمرار النظام السوري في اعتماد الحل الأمني - العسكري بديلا عن الحوار الوطني مع اطياف المعارضة التقدمية والديمقراطية المنطلقة من داخل سوريا. ذلك أن مثل هذه السياسة، التي لا تزال ترفض الالتزام بالاصلاحات المطلوبة ووضع روزنامة لتطبيقها، والمستفيدة من انتشار السلاح والعنف المضاد واستخدام الخطف والقتل على الهوية المذهبية، باتت تهدد الاستقرار الأهلي في سوريا وفي المنطقة ككل، عدا عن أنها تعطي ذريعة اضافية للتدخل الأميركي في الشؤون السورية الداخلية عبر المضي في تنفيذ الخطة الخماسية الأبعاد المتضمنة في التقرير المقدم من أندرو ج. تايلر، تحت عنوان "سياسة الولايات المتحدة في سوريا"، الى لجنة العلاقات الخارجية التابعة للكونغرس الأميركي، في التاسع من شهر تشرين الثاني الحالي، أي قبل بضعة أيام على قرارات الجامعة العربية المشار اليها سابقا.
فالتقرير يركز على مسألتين : الأولى وتتعلق بالآمال التي يعقدها من يسميهم "المعارضة الداخلية وفي المنفى" على الولايات المتحدة والشرعية الدولية لاجبار النظام السوري على التنحي. أما الثانية، والأهم، فهي خطة النقاط الخمس التي يرى كاتب التقرير أولوية تنفيذها، وهي : تشكيل مجموعة اتصال مع سوريا، تطوير استراتيجية لابعاد بعض القوى (الطائفية) عن نظام الأسد (الدروز، الشيعة)، وضع مخطط لمساعدة المعارضة السورية على تنظيم مقاومة سلمية بدءا بتوسيع المظاهرات ووصولا الى العصيان المدني، التحرك باتجاه لجان حقوق الانسان والعمل مع من يسميهم التقرير "سفراء الدول الصديقة ومع الشعوب العربية وتركيا على فرض تطبيق حقوق الانسان" في سوريا.
الى جانب توجهات التقرير الأميركي وقرارات الجامعة العربية المرتبطة عضويا بها، يأتي التصعيد التركي السياسي، عبر التصريحات شبه اليومية لرجب طيب أردوغان، ليدعّم الخطوات العسكرية المتخذة على طول الحدود مع سوريا، والمتزامنة مع استنفار عسكري لحلف شمال الأطلسي، وليذكّر بما جرى في ليبيا، وقبلها في العراق، وليعطي دفعا للتحركات العربية المرتبطة بالموقف الأميركي الداعي الى إسقاط صمود الشعب السوري، بالاستفادة من رفض النظام السوري التخلي عن الحلول الأمنية-العسكرية أو أوتنفيذ الإصلاحات الديمقراطية المطلوبة من هذا الشعب.
ان الخطورة التي يتميّز بها الوضع المستجد في سوريا، بعد تحرك الجامعة العربية المرتبط بالأجندة الأميركية، وخطورة التدابير العملية التي اتخذت حتى الآن في الاردن وتركيا، التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق، وامكانية تشديد تدابير الحصار الاقتصادي (والتي يحاول البعض جعلها تمتد الى لبنان) تؤشر كلها الى ازدياد احتمالات التدخل العسكري الإمبريالي- الإسرائيلي-التركي. وان يكن الوضع السوري يختلف كليا عن الوضع في ليبيا، وان يكن الفيتو الروسي-الصيني قد لجم الى حد كبير الاندفاعة العدوانية الامبريالية، الا أن الانقسام المذهبي يزيد من هشاشة الوضع ويدفع باتجاه التفتيت.
ان التدخل العسكري الامبريالي-الاسرائيلي-التركي المشار اليه سيترك دون شك، في حال حصوله، انعكاسات كارثية على الوضع العربي ككل، وعلى الوضع اللبناني بشكل خاص. من هنا كانت الدعوة الصريحة التي وجهها الحزب الشيوعي اللبناني الى المعارضة التقدمية والديمقراطية وكذلك الى الأحزاب الشيوعية واليسارية المتواجدة داخل الجبهة الوطنية في سوريا، مطالبا اياها باتخاذ موقف تاريخي، من أجل تنفيذ لاءاتها الثلاث ( لا للحلول الأمنية والعنف، لا للطائفية، لا للتدخل الخارجي) والشروع فورا في تحصين الوضع الداخلي السوري، عبر تشديد الدعوة الى وقف دورة العنف والعنف المضاد، خاصة، والتحرك من أجل جعل السلطات السورية تنفذ ما أعلنت عنه من استعداد باتجاه اطلاق سراح كل المعتقلين وتنفيذ البنود الاصلاحية المطلوبة، بما يسهم في التركيز على أولوية المواجهة مع كل أشكال العدوان الخارجي ومع الفتنة الداخلية التي تنزلق سريعا باتجاه الحرب الأهلية المذهبية. كما يدعوها الى حزم موقفها الداعي للاسراع في عقد مؤتمر وطني الهدف منه إعلان جبهة مقاومة وطنية في وجه التدخل الخارجي ووضع برنامج عملي لتنفيذ التغيير الديمقراطي الجذري المطلوب، وذلك انطلاقا من مبدأ التلازم بين وجهي النضال الطبقي الذي لا بد وأن يميّز برامج قوى التغيير الجذري.

ثالثاً – الوضع السياسي الداخلي

1-مخاطر الوضع السوري وانعكاساته على لبنان

لقد أشرنا الى أن الوضع المتفجر في سوريا والتصعيد الأميركي-الرجعي العربي ضدها سينعكس دون أدنى شك على الوضع الداخلي اللبناني. ذلك أن أي اندفاعة مذهبية جديدة للمعارك الدائرة هناك لا يمكن الا أن تنعكس ميدانيا على الوضع الداخلي اللبناني فتدفع به باتجاه الحرب الأهلية مجددا... خاصة وان هذه الحرب باتت تلوح في الأفق، على ضوء الانقسام العامودي بين الطوائف وكذلك الصراعات الآخذة في التصاعد منذ العام 2006 حول سلاح المقاومة، وما تبعها من انفجارات متنقلة، وما استجد حولها من تطورات، وبالتحديد في مجال الدور الذي يمكن أن تلعبه المحكمة الدولية (وتمويلها) في المستقبل القريب، بالتكامل بين الصراع الناشيء حول موقف لبنان من الأزمة السورية وتطوراتها والوضع الهش للحكومة الميقاتية.
وفي هذين المجالين الأخيرين، لا بد من توجيه الضوء الى الدور الذي لعبته القوى السياسية المرتبطة بواشنطن، ان بالنسبة لتهريب الأسلحة أم بالنسبة لايواء قوى سلفية دخلت لبنان سرا أو انتقلت منه باتجاه بعض المدن السورية التي شهدت أحداثا مذهبية دموية. ولا بد، كذلك، من لفت النظر الى تركيز هذه القوى على طرابلس والشمال ومحاولتها فتح معركة مواجهة مع الحكومة ورئيسها من هناك، بالاستناد الى بعض القوى ذات الطبيعة المذهبية المتطرفة. كما لا بد من التنبيه الى حملات التجييش والمظاهرات والمظاهرات المضادة في تعميق الشرخ الذي يهدد لبنان بالسقوط مجددا في متاهات مذهبية لن ينجو أحد من نتائجها الكارثية، وستكون أولى نتائجها الافساح في المجال أمام عودة التدخل العدواني للكيان الصهيوني في شؤوننا الداخلية، ان عبر الاستفادة من بعض الخروقات الأمنية في الجنوب أم عبر اللجوء الى أسلوب الاغتيالات والتفجيرات الأمنية المتنقلة...
لذا، لم بعد ممكنا التغاضي عن الوضع غير المستقر داخليا، واحتمال انتقال الصراع ومعه الفتنة من سوريا الى لبنان؛ كما لا يمكن تجاهل بعض التصريحات التي صدرت في هذا الاتجاه، أو تلك التي حذرت من فتنة وشيكة. كل ذلك يدفع باتجاه السعي لتجميع القوى التقدمية والديمقراطية والتحرك باتجاه منع القوى ذات المصلحة في تأجيج الأوضاع الداخلية من تنفيذ مخططها المعتمد الى المشروع الأميركي ضد شعوبنا وكذلك باتجاه قطع الطريق أمام اسرائيل التي تسعى منذ العام 2006 للانتقام من الهزيمة النكراء التي لحقت بها.
في السياق ذاته، وفي الوقت الذي يتصاعد فيه الاحتقان، بفعل تأزم الوضع السوري وانعكاساته وبفعل الصراع الدائر حول المحكمة الدولية، والموقف المتعارضة لأطراف الأكثرية الجديدة، يأتي القانون الذي أقره مجلس النواب في الأول من تشرين الثاني حول ايجاد "حل عادل" لمسألة العملاء المقيمين في الكيان الاسرائيلي وعائلاتهم ليصب الزيت على النار، خاصة وأن هذا القانون جرى امراره بالتوافق بين القوى الطائفية ضمن صفقة جديدة شبيهة بتلك التي تمت بعد التحرير مباشرة، مع فارق أساسي هذه المرّة أنه يطال عملاء سابقين قضوا 11 عاما في اسرائيل وخدم قسم منهم في جيش الكيان الصهيوني.
بناء على ذلك، كان الحزب الشيوعي اللبناني أول من أعلن موقفا ضد تلك الصفقة الجديدة، مطالبا بالعودة الى مقدمة الدستور والقوانين المرعية الإجراء في مجال محاكمة العملاء دون استثناء، كما جدد رفضه القاطع لكل أشكال الصفقات الطائفية، إن تلك التي أعدت بعد التحرير مباشرة أم تلك التي تعدّ اليوم مرّة أخرى على حساب كرامة مقاومة وصمود الشعب اللبناني، وكرامة المقاومين، والشهداء منهم على وجه التحديد. كما دعا الحزب الشيوعي المجلس النيابي الى سحب القانون فوراً ودون إبطاء، وتوجه الى كافة القوى السياسية الوطنية والديمقراطية والقوى المقاومة مطالباً إياها الاضطلاع بدورها تجاه هذه القضية، بل وتجاه الاستعداد لمواجهة أي محاولة عدوانية اسرئيلية جديدة.

2-قانون الانتخاب : مشروع انقسامات جديدة

من هذه المنطلقات ننظر الى مشروع قانون الانتخاب الذي يجري الاعداد له في مجلس الوزراء، والمستند الى النسبية المطبقة في دوائر متوسطة، يطغى على أغلبيتها لون طائفي أكثري. فهذا المشروع خطير مثله مثل القوانين السابقة التي أدت إما الى حرب أهلية أو الى تقسيم البلاد وشلها. ويزداد الأمر سوءاً مع اصرار كل أطراف البرجوازية على القيد الطائفي. لذا، تشكّل الحملة من أجل النسبية التي انطلقت في 13 تشرين الثاني منطلقا مهما للمواجهة. وفي هذا الاطار، تجدر الاشارة الى الدور الموحّد والمنظم الذي لعبه الشيوعيون ، إن في اطلاق الحملة أم في تجميع القوى السياسية ورفع سقف موقفها، أم خاصة في تركيز الضوء على أن الأهمية المتوخاة من أي قانون تكمن في تحويل لبنان الى وطن موحد من خلال الأقانيم الثلاثة لموقف الحزب الشيوعي اللبناني : اعتماد النسبية خارج القيد الطائفي ومن خلال لبنان دائرة واحدة.

في الوضع الاقتصادي والاجتماعي

في هذا المجال أيضا نشير الى أن العديد من المؤشرات المهمة التي صدرت خلال الربع الأخير من العام ٢٠١١ تظهر هشاشة الوضع الاقتصادي-الاجتماعي وخطورته، ان من خلال تأثر لبنان اكثر فأكثر بالأزمة العامة للرأسمالية أم من خلال الانعكاسات الكارثية لهذه الأزمة على لبنان، أم خاصة من خلال المواقف الحكومية المعادية لمصالح غالبية اللبنانيين، من عمال واجراء، باستثناء بعض المشاريع التي تحاول تحصين الوضع الاجتماعي في وجه هجمة البرجوازية اللبنانية المستفيدة من غياب دور الاتحاد العمالي العام المنقسم على ذاته والضائع في الزواريب المذهبية والطائفية.
وللمرة الثالثة على التوالي هذا العام، يواصل صندوق النقد الدولي خفض توقعاته لمعدّل نمو الاقتصاد اللبناني عام 2011 ليبلغ ١٫٥٪ فقط في مقابل معدل نمو سنوي وسطي تراوح بين 8% و9% في السنوات الأربعة الماضية. ويعكس هذا التراجع في النمو انحسارا نسبيا في الحركة السياحية (تراجعت بنسبة ١٩٪ حتّى أيّار الماضي)، وحركة المبادلات الخارجية والاستثمار والتحويلات الخارجية والودائع والتسليفات المصرفية. ويترافق هذا مع إصرار البرجوازية اللبنانية على التمسك بشبكات مصالحها وامتيازاتها، وسط استمرار غياب دور الاتحاد العمالي العام المنقسم على ذاته والضائع في الزواريب المذهبية والطائفية.
سنتوقف في دراستنا لبعض المؤشرات الأساسية عند العناوين التالية :
أ - مشروع موازنة عام 2012 : لم يلحظ هذا المشروع أي تغيير جوهري بالنسبة الى المسار التقليدي الذي درجت على اعتماده الحكومات المتعاقبة في هذا المجال، باستثناء الحفاظ على بعض "النوايا" التي انتزعت من حكومة "الاتحاد الوطني" السابقة، بشأن حجم الانفاق العام الاستثماري كنسبة من اجمالي الانفاق العام. وقد انطوى مشروع الموازنة على زيادة ملحوظة في اعتمادات النفقات الجارية (نحو 13%) مقارنة بعام 2011، مع العلم أنها لم تتضمن تكاليف أي تصحيح في الأجور. كذلك تمت زيادة قيمة بند "النفقات الطارئة والاستثنائية" وبند "التحويلات" بنسبة تجاوزت تباعا عتبة 125% و24%، مما ينطوي على رغبة ضمنية في ترك الباب مفتوحا أمام تقاسم أطراف الحكم، لجزء مهمّ من هذين البندين في تسويات فوقية ومرتجلة، على النحو الذي يسمح بتدعيم العلاقات الزبائنية التي تحكم سياسات الانفاق العام. واذا كان المشروع قد تضمن اعتمادا إضافيا بقيمة 300 مليار ليرة لبنانية لتأمين التغطية الصحية الشاملة – في باب "احتياطي لنفقات أخرى" – إلا أنه لم يوضح الوجهة الفعلية والتفصيلية لانفاق هذا المبلغ، وأغلب الظن أنه سيؤول الى التمويل الجزئي أو الكلي لمشروع تعميم البطاقة الصحية على غير المضمونين نظاميا، كبديل لمشروع إقرار نظام وطني شامل للرعاية الصحية يغطي جميع اللبانيين المقيمين. كذلك اندرجت معظم الزيادات في مخصصات الانفاق الاجتماعي ضمن مسارات الانفاق التقليدية السائدة، والتي تشكو من أوجه هدر متأصلة وكبيرة. ويكاد ينطبق هذا على ما تضمنه مشروع الموازنة من حلول ترقيعية لمشكلة الفقر، عبر برنامج استهدافي لجزر الفقراء، من دون أن يكون هذا البرنامج مرتبطا باستراتيجية محددة للتنمية الاجتماعية الأعم والأشمل. ولعل أشدّ ما يدعو الى القلق هو استمرار الاتجاه نحو تمويل انفاق الدولة المتزايد عن طريق استسهال اللجوء الى الضرائب والرسوم غير المباشرة التي تراوح بين 75% و80% من اجمالي ايرادات مشروع موازنة عام 2012، مع العلم أن أكثرمن 54% منها هي إما ضريبة على القيمة المضافة – المرشحة للزيادة من 10% الى 12% - أو ضريبة على الاستيراد والتجارة، الأمر الذي يشكل في كلتا الحالتين عبئا على الاستهلاك لا سيما استهلاك الأجراء والطبقة الوسطى والفقراء. وفي موازاة ذلك يستمر تأجيل إقرار ضريبة على التحسين العقاري (قدّرت الأرباح العقارية عام ٢٠٠٩ بحدود ۷ مليارات دولار) وزيادة فوائد الودائع المصرفية، كما يستمر تأجيل تطبيق الضريبة الموحدة على اجمالي مصادر الدخل.
ب –تصحيح الأجور : يتبين من المعطيات المتاحة أن متوسط قيمة الأجر الوسطي لا يزيد راهنا على ٩٠٠ دولار شهرياً، وأن أكثر من ثلثي الأجراء يحصلّون أجرا يقل عن 600 دولار شهريا. في المقابل فان أسعار الاستهلاك تواصل ارتفاعها، لا سيما أسعار المحروقات والمواد الغذائية. وقد بلغت نسبة الزيادة المتراكمة في الأسعار منذ 1996 حتى أواسط 2011 أكثر من ١٠١٪، في حين لم يطرأ حتى تاريخه سوى تصحيح واحد للأجور (عام 2008) بلغت نسبته الوسطية نحو20%، مما ألحق خسارة في الأجر الوسطي لا تقل عن 65% منذ أواسط التسعينات. وبناء على هذه المعطيات، ومن اجل ردم الفجوة الحاصلة بين التضخم المتراكم وقيمة الأجر الفعلية، تمت الدعوة من قبل النقابات أولاً الى زيادة الاجور ومن ثم من قبل هيئة التنسيق النقابية الى الاضراب بسبب عدم التزام الحكومة وزعماء الطوائف، ومن فرضوهم من "قيادات" نقابية، بايجاد حل عادل لتصحيح الاجور (يستند الى ربط الأجور بنسبة التضخم) من اجل الحفاظ على حد ادنى للقيمة الشرائية. وقد رفضت الحكومة وارباب العمل الزيادة المقترحة من قبل هيئة التنسيق النقابية بحجة تعزيز فرص العمل ! ولكن، وبحسب دراسات البنك الدولي ، لا يوجد دليل واضح على أن خفض الأجر الحقيقي من شأنه أن يعزز الطلب على العمل من جانب المؤسسات. ففي لبنان، لا تُمثّل الأجور أكثر من 25٪ من الناتج المحلي بعدما كانت هذه النسبة أكثر من الثلث بعد الحرب الأهلية مباشرة.
وتجدر الاشارة الى أن قرار زيادة الاجور على الشكل الذي كانت أقرته الحكومة الميقاتية سابقا، يخدم بشكل مباشر مصالح المصارف وشركات التأمين والشركات العقارية والوكالات الحصرية وغيرها من الشركات الكبرى التي تستأثر بحصّة كبيرة من الأرباح, فهذه الشركات تضم القدر الأكبر من العاملين الذين يتقاضون أجوراً تزيد على مليون و 800 ألف ليرة. في المقابل فان هذا القرار كان من شأنه تحميل القطاعات الصناعية والحرفية وأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وأصحاب المتاجر، الوزر الأكبر من كلفة تصحيح الأجور، إذ إن هذه المؤسسات تحتوي على القدر الأكبر من الأُجراء العاملين بأجور تقل عن مليون و ۸٠٠ ألف ليرة.
وبالرغم من الحملة الشديدة من قبل ارباب العمل للزيادة المقترحة على الاجور، فان ٤٠٪ من الأجراء لا يستفيدون عادة من اي زيادة على الاجور، لأنهم مكتومون أي غير مصرح عنهم لدى الصندوق الوطني للصمان الاجتماعي ووزارة المالية. ولذلك فان الدولة مدعوة لفرض تطبيق القوانين وليس فقط اصدارها، بغية تأمين شمول جميع الأجراء بتصحيحات الأجور والتأمينات الصحية والتقاعد.
ج – البطالة وفرص العمل : بحسب احدث المعطيات المتاحة عن أوضاع سوق العمل (دراسة ميدانية صدرت نتائجها عن البنك الدولي عام 2010)، يتبيّن أن معدل البطالة في لبنان قد بلغ ما بين 11% و12% عام 2010مقارنة بنحو 7% عام 2004 ، مع الاشارة الى أن هذا المعدل يرتفع الى نحو ٢٥٪ في فئة الشباب. كما تفيد احدى مؤسّسات استطلاع الرأي العالميّة، بأن ۷۸٪ من اللبنانيّين غير راضٍين عن سوق العمل. وتتزامن هذه النسبة المرتفعة من معدلات البطالة ومشاعر عدم الرضى مع هجرة نحو ٤٠ ألف لبناني سنوياً، أي ما يوازي التزايد السكاني الطبيعي. وهذا ما يستوجب زيادة الانفاق الاستثماري الحكومي في مرافق البنية التحتية الأساسية، لا سيما أن الدراسات الحديثة تشير الى أنّ زيادة هذا الإنفاق بنسبة ٠٫٥٪ من الناتج المحلّي الإجمالي، تؤدّي إلى زيادة معدّل التشغيل بنسبة تراوح بين ٠٫٢ و ١٫٢٪ في المدى المتوسّط.

المهمات المطروحة

امام مستجدات الاوضاع علينا تحديد مهمات المرحلة النضالية باتجاه :
1 – مواكبة المحافظات والمنطقيات لتطورات الوضع ، والتعبئة السياسية اليومية باتجاه ترجمة كيفية مساهمة الحزب في التصدي لمخاطر المرحلة ولا سيما الاجواء الطائفية والمذهبية. اضافة الى العمل على توفير العناصر السياسية لتجميع قوى سياسية ومدنية مركزية ومناطقية وعقد مؤتمر وطني باتجاهين متكاملين : حماية السلم الأهلي من تداعيات الوضع في سوريا والمنطقة، وتعزيز المقاومة الوطنية ضد العدوان الصهيوني والمخطط الامبريالي، من أجل تحرير ما تبقى من الأرض اللبنانية تحت الاحتلال ومواجهة سرقة الكيان الاسرائيلي لمياهنا في الجنوب وتعدياته على مياهنا الاقليمية وما تختزنه من ثروات طبيعية.

2 –التأكيد على العناوين الثلاثة التي طرحتها اللجنة المركزية في دورتها السابقة والتي أكدت عليها التوصيات الصادرة عن الكونفرانس المركزي المنعقد في شهر أيلول الماضي، وهي : قانون الانتخابات - الاحوال الشخصية- القضايا الاقتصادية والاجتماعية. وذلك من خلال وضع خطة تنفيذية تتضمن تحركات مركزية ومناطقية انفاذا لقرارات المؤتمر الوطني حول النسبية ، والعمل على توسيع الصلات مع المنظمات النقابية والشبابية والنسائية والعمالية والثقافية والاعلامية من أجل استكمال معركة اقرار قانون ديمقراطي حقيقي للانتخاب، يعتمد الدائرة الوطنية الواحدة وفق مبدأ النسبية وخارج القيد الطائفي.. اضافة الى اعتماد سن ال18 والكوتا النسائية المرحلية والمؤقتة بنسبة 30 %، والاستفادة من المواقف التي تقدمت بها بعض الأطراف للتقدم بقوة في مجال القانون المدني الموحد للأحوال الشخصية.

3 –تحديد مهلة لا تتجاوز ستة أشهر من أجل تطبيق قرار المؤتمر العاشر في مجال الزامية انتساب الشيوعييات والشيوعيين وأصدقائهم الى النقابات العمالية، والدعوة السريعة الى عقد سيمينار نقابي عمالي الهدف منه اقرار العناوين المرحلية للتحرك وأولوية ربط الأجر بالتقديمات الاجتماعية، بالاستفادة من برنامج العمل الجماهيري الذي أقره المؤتمر العاشر وكذلك من المشروع المطروح من قبل وزير العمل في مجالي التشغيل والتغطية الصحية الشاملة. هذا، الى جانب تطوير المركز النقابي الديمقراطي في مواجهة البرجوازية اللبنانية ومنعها من إمرار المشاريع التي وافقت عليها في "مؤتمر باريس - 3" والتي ترهن البلاد لإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وللإمبريالية الأميركية من ورائهما.

4 – وضع برنامج لتطوير دور الاعلام الحزبي ومواقف الاعلاميين الشيوعيين واليساريين والديمقراطيين في التعبئة السياسية لمواجهة مخاطر الفتنة والعدوان الصهيوني وكذلك في التعبئة الاجتماعية.

5 – التحضير الجدي للقاء اليساري العربي الذي سيعقد في شهر كانون الثاني من العام المقبل في بيروت باتجاه تجميع القوى العربية ذات المصلحة في مقاومة الهجمة الامبريالية-الصهيونية الجديدة، وذلك من أجل قيام جبهة مقاومة وطنية عربية تعمل على افشال مفاعيل "مشروع الشرق الأوسط الجديد" وتضع أسس برنامج لليسار من أجل التغيير الديمقراطي على الصعيد العربي العام. هذا، الى جانب الاستفادة من المؤتمرات واللقاءات، خاصة الدولية، التي ستجري خلال الأشهر المقبلة لتطوير التضامن والدعم لمشروعنا.

بيروت 29 تشرين الثاني 2011

Repérage des citations dans la presse libanaise
http://www.citations-explorer.com/

<FONT color=#ff0000 face=Arial>Pétition
Non au terrorisme de l’Etat d’Israël
<A href="http://www.aloufok.net/spip.php?article2">http://www.aloufok.net/spip.php?article2