Al-Oufok

Site du Mouvement Démocratique Arabe

Accueil > Invitation à lire > مراجعة كتاب حبيب معلوف، "الى الوراء : في نقد اتجاهات التقدم" - في نقد التقدم وحق (...)

مراجعة كتاب حبيب معلوف، "الى الوراء : في نقد اتجاهات التقدم" - في نقد التقدم وحق الطبيعة : فكر كما لو كنت شجرة

vendredi 27 janvier 2012, par عفيف عثمان

عفيف عثمان

" فكر كما لو كنت شجرة"، هو لسان حال حبيب معلوف، وهذه راسخة في الأرض، جذورها متشبثة في التربة. وأول الأسئلة سؤال الهوية أو "الأصل" (قياساً الى الذات أم الآخر؟)، من حيث تحكمه في السلوك والتصرف بإزاء العالم والكون : فهل نحن شجريين (التشبث والعناد) أم عشبيين أم سمكيين (المرونة والليونة)، والى أي حد تساهم الطبيعة في تشكيلنا. يميل معلوف الى الشجرة بعكس بعض الأيديولوجيات التي تمتح من البحر شخصيتها على صورة بحار يجوب الآفاق متاجراً. ففي عرفه هي "المعلم الأول"، ومن آياتها عصا المعلم (يقول المثل المصري إن عصا المعلم من شجر الجنة)، وهي ملهمة بعض الأمثال الشعبية في القرى اللبنانية : فالبعض لا ينصلح حاله إلا اذا " أكل عصاتين"، أو "علمت العصا في جنابه"، كما أن " العصا لمن عصا". بيد أن قصب السبق للحجر، مصدر الأولى (أي النار)، ويرى فيه الباحث مع العصا من مقومات الحياة التي ارتقت بفضل إبتداع الأدوات، وعنده أن الحجر "يرمز الى الصلابة".
وللأشجار أيضاً أناتها وشكواها من ظلم الإنسان الحديث، العابث بأحد مصادر رزقه وهي الغابة، مصدر الطاقة والغذاء والدواء. وفي غابر الأيام كان لها صديق هو الحطاب، الكائن العارف بدورة حياتها والمتقن إشاراتها، ذلك أن للأشجار"أصوات ولغات سرية ما عاد إنسان علب الباطون المغلقة يفهمها" في رأي معلوف.

الحفاظ على التنوع

تبتلع الغابة المدينية الحديثة الجبال، تقهرها الكسارات وتطحنها وتحولها بحصاً بعد أن كانت تُقد حجراً صلباً يُعاند الرياح والأنواء، ترمي بها في أتون الجبالات خادمة الباطون المصمت. ينعي معلوف بشاعرية ما آل اليه الحجر، اذ فقد هويته، وفقد كرامته "صار بحصاً"، ويمنحه قصيدة قد تعزيه، فيخاطبه : يا دافئاً، يا مقعد عجوز في شمس شباط / يا بارداً، يا مسند عاشقين في صيف حار / يا لعبة طفل / يا فشة خلق غاضب / يا رمز الثورة الأقل عنفاً (...) أنت أجمل الهدايا / أنت أجمل حكاية.
حرصاً على مكانة الإنسان وموقعه في هذا الكوكب، يدعوه معلوف الى التواضع بل والى إعادة التموضع نسبة الى بقية الكائنات في "النطاق الأيكولوجي" أو المدى الحيوي اللازم لبقائه واستمرار نوعه ووسيلته الى ذلك " أن يقدم معنى جديداً لحماية البيئة ولدور الإنسان معاً"، ما يقتضي في نظر الكاتب تبني مبدأ "وحدة الوجود" ( العزيز على قلوب بعض المتصوفة، والمُدان من طرف العقيدة الدينية الرسمية المسلمة، وقد يرادف الحلولية التي ترى الحياة في كل شيء) .
انهمام معلوف بالبيئة وبالدفاع عنها يدفعه الى شهر سلاح النقد في وجه تعريفاتها الغربية التي يصفها بالمستبدة والتي تضعها في موقع الطرف أو الهامش أو المحيط. ويحاول تلمس مصطلحها في اللغة العربية، فبحسب "لسان العرب" ومن الجذر "بوأ" يتضح للباحث أن البيئة هي "النزول والحلول في المكان"، إذاً للبيئة عند العرب معنى أكثر مركزية " كونها المكان الذي نعود اليه وننزل به".وطعن الباحث في المصطلح الغربي يعود الى منحه الإنسان الأولوية في الكون، فهو السيَد كما رأى الفيلسوف الفرنسي ديكارت، وهو المستبد وفاقاً لسلوكه على هذه الأرض. لذا، دعوته الصادقة الى الإنسان لإعادة النظر في موقفه من البيئة "لإعادة التوازن الى الكوكب"، ومن أجل نفسه في الدرجة الأولى. والبداية في الحفاظ على "التنوع"، ويبدو من الخبرة والتجارب أن ذلك يؤمن إستقراراً في الطبيعة وفي المجتمع على حد سواء.

الفلسفة البيئية : دع الأزهار تعيش

يخاطبنا معلوف في جو من الألفة ويسعى لبسط الأفكار من دون تعقيد. وبكلمات يعرض للفلسفة البيئية (أو الأيكولوجيا) : "لا شيء يأتي من لا شيء" (ويرى فيه تقارباً مع الدين)، " كل شيء مرتبط بكل شيء آخر" (يتقاطع مع الفلسفات الشرقية)، " كل شيء لا بد أن يمضي الى مكان ما"، وأن "الطبيعة هي التي تعرف وتحدد الأفضل". وفي واقع الأمر، تنتهك الرأسمالية هذه المبادىء البسيطة لأن ديدنها السوق والربح، وبالتالي تتحمل المسؤولية الأولى عن المشاكل البيئية المتعاظمة بسبب من فائض الإنتاج. لذا، دعوة الباحث " دع الأزهار تعيش" ومعناها الحفاظ على الموارد وضرورة "إعادة النظر في أسس وقوانين حماية الملكية الخاصة، وحقوق الإستثمار، لكي نبقى نحن والأزهار على قيد الحياة". وتبدو هذه الدعوة ملحة في ضوء نظرية "البصمة الأيكولوجية" : "المساحة التقديرية من البر والبحر الضرورية بيولوجياً للبشرية، لتلبية جملة حاجاتها، مع ضمان بقائها بصورة مستدامة. وتقاس هذه البصمة بهكتار وسطي إنتاجي للفرد الواحد، تصلح للعمران المدني وانبعاث وامتصاص ثاني أوكسيد الكربون، والصيد البري، واستغلال خشب الغابات، والرعي والزراعة"، وبحسب التقارير زادت " البصمة الأيكولوجية" وبات حجمها أكبر من طاقة الأرض على تحملها. ويظهر المتهم الرئيسي في ذلك فكرة التقدم نفسها التي دفعت البشر (ِ أفراداً وشركات) الى الإستغلال الأقصى للطبيعة وفي مقابل ذلك رد الفعل العادي لدى بعض الناس الى الدفاع عنها والنطق باسمها.
تطرح الفلسفة على نفسها عدة أسئلة منها ما هو خاص بالإنسان وغائيته في الحياة، وللفلسفة البيئية مساهمتها في تقديم أجوبة تخص الكائن الحيَ، وينقل الباحث عن الفيلسوف الأميركي، بول تايلور، قوله إن جميع الكائنات الحية " مراكز غائية للحياة"، لذا تطور خططاً للتكاثر والإستمرار في ما يُطلق عليه "صراع البقاء"، وحتى لا يتحول هذا الأخير الى حرب فناء أتت الأخلاق مثابة تحديد لمعايير السلوك. وكان للأيكولوجيا أيضاً قواعدها الأخلاقية وفي مقدمها "حق" كل كائن حي في الوجود، ما يُفقد الإنسان ميزته في التعسف بإزاء البيئة، وبما يُسقط مقولة السفسطائيين في اعتبار "الإنسان مقياس كل شيء".
ينقل معلوف عن الباحث الفرنسي جان – بيلت في كتابه " اللغات السريَة في الطبيعة" قوله إن الكائنات إنما تدافع عن نفسها وهي تتكيف مع شروط البيئة حولها، ولهذا تظهر لديها كثير من التصرفات التي نعتبرها سلبية. بيد أن عنف الطبيعة لا يخرج، في شكل عام : عن مبدأ "الدفاع عن الوجود" من دون تهديد الأنواع الأخرى، ويبقى الأخطر هو عنف الإنسان المُمارس في وجه الطبيعة بإسم السوق والربح حيناً، وبإسم التنمية والإيديولوجيا أحياناً أخرى. لذا، يغدو الكفاح ضد العنف جزءاً من مهمة الدفاع عن البيئة، أي عن المحيط. وفي المثال اللبناني، لا يستطيع التصدي لهذه المهمة بحسب معلوف إلا الدولة "عقل المجتمع" وليس أي دولة، بل "الدولة المالكة" أو المتملكة للموارد أو القوية، التي في مقدورها بحسن إدارتها الحفاظ عليها واستدامتها، وبالتأكيد وبسبب العولمة لا مناص من التعاون الدولي حيث يزداد إرتباط مصير الدول بعضها ببعض صحة ودواءً وبيئة وأمناً.
والحال، ثمة أفكار ومذاهب مسؤولة في المقام الأول عن مآل العالم وأبرزها البراغماتية الناهضة على النفعية، والتي ترى إن "الحقيقة، حقيقة أي شيء في مدى نفعيتها، في مدى فعاليتها وفعلها ونجاحها وتأمينها للشبع الإنساني". وهي جعلت معيار كل شيء نفعه للإنسان واحتقرت بقية الكائنات وسببت ما يسميه معلوف " الأزمة البيئية" المهددة للنوع الإنساني نفسه. ويعزو الباحث نجاح النزعة هذه الى مخاطبتها الفرد وتقديم الوعد له بالسعادة الآتية، وينتقد في هذا السيَاق كل الفلسفات التي لم تضع في حسبانها الطبيعة وقوانينها في صفة كونها "المصدر الأساسي للحياة والقيَم" والحاضنة للإنسان. ومن هنا الدعوة الى إعادة الإعتبار للأيكولوجيا، أي لحق البيئة علينا.

الخوف على الحياة

كما الفلسفة، كذلك للعلم أثره "غير المحسوب" على الطبيعة والمجتمع، ويبرز هنا كتاب برتراند راسل "أثر العلم في المجتمع"، حيث يناقش معلوف بعض طروحاته وينادي بقيام فلسفة للعلم ترى الى الأخطار وتحذر منها ولا سيَما الخطر النووي. ويدعونا الى عدم الركون الى "الحقيقة" التي يقدمها العلم الينا لأنها متغيرة وقابلة للنقض عل حد تعبير كارل بوبر، وخطورة الوضع العولمي في عرف الباحث تحول العلماء الى مجرد "خبراء" يعملون في خدمة القطاع الخاص الخاضع لمنطق السوق والربح والمنافسة. وباتت التكنولوجيا مصدر تهديد للناس بفعل تحكمها في مسار حياتهم وموتهم. لذا، تبدو غير مألوفة دعوة الباحث الدول غير المتقدمة أن تحمي تخلفها، اذ التقدم سيدفع بها، في نظره، سريعاً نحو الهاوية؟
يبدو معلوف شديد الحذر من التكنولوجيا المتطورة ولا سيَما ذات الخلفية العسكرية والتي يسوق لها لاحقاً لخدمة الأهداف المدنية، مثال الروبوتات الآلية، كون تهديدها موجه مباشرة الى الإنسان والى الطبيعة ، حاضنة للنفايات الألكترونية وما تعد به من تلوث. كما أن الأبحاث الجينية تطرح بدورها على الكائن البشري تحديات تطاوله، بل تهديدات على ما يكتب الباحث، في هويته ومستقبله وفي أخلاقيات عيشه . وردة فعل الباحث الرئيسة هي الخشية من هذه التكنولوجيات الحيوية، ولا سيَما الهندسة الجينية، التي تهدد "أسس وشروط الحياة التي نعرفها"، والخوف أن يقود التلاعب بالجينات والإستنساخ الى خلخلة الهوية البشرية، وما يحصل هو "عملية خلط خطيرة للأنواع، لا أحد يستطيع التكهن بمدى تأثيراتها على ديمومة الحياة على المدى البعيد".
لذا يدعو صاحب "مدخل الى الفلسفة البيئية" الى جملة مبادىء من أبرزها : ضبط التزايد السكاني بدلاً من اللجوء الى التعديلات الجينية للكائنات الحية، وإنتاج وتعميم نظام قيمي وأخلاق علمية بديلة، تقوم على إحترام أُسس الحياة والتوازنات الدقيقة في الطبيعة وعدم العبث والتلاعب بها، وعدم تحويل العلماء الى مجرد "خبراء"، وإعادة الإعتبار لفلسفة العلم وللمعرفة المتحررة من التوجهات النفعية والإستغلالية.

حق الطبيعة

لقد تنامى تيار يدعو الى تبسيط العلوم ونشرها، وبمعنى أدق " دمقرطة العلوم" كي تصبح في متناول الكل، لكن السبل اليها مختلفة والصيَغ كثيرة ومنها أسلوب الحكاية. وحسناً يفعل معلوف فيشيح النظر عن النصائح "الغربية" في هذا الشأن ويلتفت الى التراث العربي، لأنه " تراث سردي، تراث الحكواتي والقصص والحكايات الشعبية، وحب الحكي والسرد". وفي نظره لم تقدم لنا وصفات التقدم "العلمي" إلا الكوارث، لذا، لا يني يتحسر على أيام وداعة القرية بما فيها ذاك المجنون الذي يجهر بالحقيقة من دون مواربة.
الإنهمام بالبيئة يعني التزاماً ويوجب رصد العوامل المهددة لها، ويأتي "التطرف" (في مقابل التوازن) في مقدمها، ومفاده انعدام إدارة الموارد وبكلمات أخرى غياب الرشد في الإستفادة من الخيرات التي تهبها الطبيعة لنا. يقترح معلوف علينا مجموعة أسس للأخلاق البيئية تضع في حسبانها الى الإنسان بقية الموجودات ، وهي تتوجه اليه في الأساس، أولها التواضع :" التواضع في المعرفة بالنسبة الى حجم الأشياء التي لا نزال نجهلها، والتواضع تجاه باقي أفراد وجماعات النوع الإنساني"، اذ يشترك الكل في "وحدة الحياة والمصير".
ولأن ثمة نزاعاً على الموارد يأخذ سمة "التنافس" يكون الحد منه " عبر إيجاد دينامية جديدة للحد من نمو الكثافة السكانية وترشيد استخدام الموارد والتحكم في تأثير البشر في الوسط المحيط بهم، عبر تغيير أنماط السلوك والقيَم". وفي سياق متصل، يسأل الباحث أنصار البيئة عن نوع الخير الذي يجب السعي له ؟ ويجيب أن "الخير الإنساني في بقاء الحياة بعامة، عبر بقاء أسسها وتوفر شروطها"، ومن ثم يدعو الى إعادة النظر في فهمنا الضيَق للعلم (السيطرة) والحضارة (التقدم) والعقل (العقلانية) حتى يكون للطبيعة أيضاً حقوقاً، كما هو حال الإنسان. ما يطرح على هذا الأخير مسؤوليات جسيمة في مجال البيئة منها : أنها مسؤولية التفكير والفعل، ومسؤولية أي فرد ازاء نفسه والآخرين، ومسؤوليته أمام بقية الكائنات، وأخيراً، مسؤوليته تجاه الأجيال القادمة. اذ المحيط البيئي ميراث يجب الحفاظ عليه لها أيضاً، ما يفرض علينا التخفيف من نزعة نهب الموارد تحقيقاً لقولة " من بعد حماري ما ينبت حشيش".

جذور أيكولوجية

ومن المسائل المساهمة في الحفاظ على البيئة يأتي الترشيد، الذي يأخذ في أحد وجوهه "إعادة الإستخدام" في سبيل "إدامة التوازنات الأيكولوجية الكبرى"، وكذلك قياس الأثر البيئي لأي شيء نرغب في استعماله، في ما يُطلق عليه "الإستدامة".
ينسُب معلوف تمايز الحضارات في منظوماتها ومؤسساتها ورؤاها المعرفية، ولا سيَما الإنقسام بين شرق وغرب، الى جذور أيكولوجية وجغرافية : فأيكولوجيا الصين القديمة والنشاط الزراعي المتركز على الأرز احتاج الى تضافر جهود الناس لإعداد الأرض وزراعتها في حين أن أيكولوجيا اليونان القديمة وعمل أهلها في القنص والرعي وصيد الأسماك والتجارة لم يتطلب قدراً كبيراً من التعاون، ما يُفسر في رأي الكاتب استناداً الى ريتشارد نيسبت مؤلف "جغرافية الفكر"، جذور الفكر الفردي الأوروبي، ويُفسر " النظرة الكلية في الفكر الشرقي والنظرة الموضوعية في الفكر الغربي"، وما يشرح التمييز "بين النظرة المركزية الغربية الى الطبيعة واعتبارها موضوعاً منفصلاً عن الذات الإنسانية يجب إخضاعها والسيطرة عليها، والنظرة الشرقية الى الإنسان كجزء من الطبيعة الواجب احترامها".
ولأن المقصد هو التناغم في الطبيعة ومع الطبيعة، يرى معلوف الى النزاعات مثابة سوء فهم يتجلى في أبعاد أربعة : سوء فهم أيكولوجيا الطبيعة وآلية إشتغالها، وسوء فهم الإنسان لنفسه، وسوء فهم الحقيقة والحق. ففي الطبيعة كل شيء يكمل بعضه الآخر وبحاجة اليه. لذا، هو يتبنى المقاربة الهرمنوطيقية (التأويلية) القائمة على الحوار والتفاهم والتواصل.

فحص المفاهيم

ثمة من يُماهي بين الدين والبيئة استناداً الى دعوى مناداتهما في الرجوع الى "الأصل"، وهي مسألة يدحضها معلوف ويرى أن مشكلة هذه المقاربة لا تتحدد في سوء فهم الفلسفة البيئية فحسب، بل "في سوء فهم طبيعة الأديان أيضاً" التي تتميز بالتعدد والإختلاف في المقاربات والغايات.
والحال، لا يتبنى الباحث المفاهيم على علاتها، بل ينظر الى ما تحمله في داخلها من مفارقات. ومع أن للمفاهيم سحرها وسلطتها، إلا أن لها تناقضاتها أيضاً، مثال ما يُسمى مبدأ "التنمية المستدامة"، فيراها تعتمد في أصلها "على زيادة وسرعة نمو الإنتاج، فلا يمكن أن تكون مستدامة، كون الموارد نفسها محدودة". ويناقش مفهوم "التنمية" الذي تحول الى أسطورة مطلوب منها إنقاذ العالم، وحين التدقيق أكثر بالإستناد الى القراءات، نجد غياب المفهوم عند كثير من المجتمعات غيرالغربية. واذ يحيلنا الى المجتمع اللبناني التقليدي يجده قد عاش على "القناعة" في انسجام مع البيئة وعرف مبدا الإستمرار والكفاية والمونة.
ينتقد معلوف مفهوم التنمية الغربي المستند الى زيادة الإنتاج ... وزيادة المشكلات، فيقترح علينا "العودة الى الوراء" و"نحمي بدل أن نبني، ونتعلم بدل أن نتحداها؟"، ومسوغ النقد هذا أن فكرة التنمية بحسبه ليست فكرة مثالية لأنها لا تحمل في جوهرها خيراً عاماً للكون بأسره، والأجدى البقاء ما أمكن أو الحياة "في شكل أقرب الى الطبيعة" أي الإنسجام معها، ما يقتضي رسم سياسات تخدم هذا الهدف. وتبلغ حماسة معلوف للطبيعة حداً يجعله يكيل المديح لمسألة "الإنتخاب" في داخلها ويُعدد مثالب الأنظمة السياسية التي صنعتها يد البشر ولا سيَما الديموقراطية الموصوفة بالصورية، ويترتب على ذلك أنه لا يجوز لمن يحكم بإسمها أن يأخذ قرارات تطاول الأجيال القادمة. ولذا جرى الترويج لمصطلح "الحاكمية" أو "الإدارة الرشيدة" كصيغة جديدة تجهد لإشراك الكل في إتخاذ القرارات حكاماً ومحكومين، غير أن طموح معلوف، الناقد بشدة لإسقاط مفاهيم الديموقراطية الغربية على قضايا البيئة ،هو في قيام حاكمية عالمية "تقوم على مبادىء المساواة والعدالة، وانطلاقاً من اعتبار الإنسان جزءاً من الطبيعة وليس فوقها، أو تحت سقف ضمان شروط البقاء وديمومة الحياة".
والباحث كناشط ومنخرط سياسياً و "حزبياً" في قضية البيئة يرى الى ضرورة نقد مفاهيم التنمية الغربية ونقد العلم وسبل توظيفه بغرض "إنتاج مفاهيم أكثر عالمية وشمولية وأكثر إنسجاماً مع المنظومات الأيكولوجية المحلية والكوكبية"، وهو يدرك مفارقة أحزاب البيئة التي قد توصم بالرجعية والمحافظة في صفة كونها تنقد التقدم وقيَم الحداثة مثل المساواة والعدالة والرفاه، فالأساس في نظر هذه الأحزاب ونظر معلوف أيضاً قيمة الحياة والحفاظ عليها. وهو يدرك ، من تجربة مشاركاته الغنية في المؤتمرات العلمية الخاصة بالبيئة ، صعوبة الترويج للمفاهيم البيئية، ويعتقد أن الأمر يقتضي ثورات فكرية وتغيرات في "أنماط التفكير والإنتاج والإستهلاك"، وأن كونية المشكلات حتمت تبديل شعار " فكر عالمياً واعمل محلياً" الى" فكر عالمياً واعمل عالمياً"، ولا سيَما أن الكون بات منزل الفرد وتُذكره مسألة تغير المناخ وندرة المياه بهذه الحقيقة الصارمة. فالمسألة البيئية تتجاوز إذاً حدود الأوطان الضيَقة، وتقع معالجتها وحلها على كاهل كل فرد، حيث يعي من خلالها أكثر فأكثر إنتمائه الى كوكب الأرض كما غيره من الكائنات.
الأمر الذي يفرض على الإنسان كنوع أن يُدرك عواقب أنشطته والأضرار الجانبية التي تقع على موطن عيشه، أي الكون، ونعاينها في شكل كوارث "طبيعية" ذات أصل بشري. وهذه الكوننة أو العولمة تجعل المثل الشعبي اللبناني "الجمرة لا تحرق في غير مكانها" قاصراً عن أداء المعنى ويرجح عليه القول إن "الجمرة تحرق في أبعد من مكانها".

الإصغاء الى الطبيعة

يُصغي معلوف جيداً الى الطبيعة والى الحكمة المتحدرة من الجدود في صيغة أمثال شعبية. فيدعونا الى الإنصياع لروزنامتها بدلاً من الشكوى والتذمر، من الصقيع على سبيل المثل، فالدائر على الألسنة عن الفترة الممتدة بين كانون الأول والثاني :"بين المولود والمعمود بتوقف الميَ عامود". وهو يحضنا على الأكل من محاصيل الموسم والذهاب الى العمل وفاقاً لمتطلبات المناخ، ففي الشتاء مثلاً، يجب التقليل من ساعات العمل والعودة باكراً الى المنزل وخصوصاً في المناطق الجبلية ومداواة الصقيع بتناول كوب من القمح الكامل المسلوق مع الجوز (أو اللوز أو الصنوبر)، بحسب نصيحة الكاتب.
ولأن قدميه ثابتتان في أرضه، يأخذ معلوف على السلطات إنبهارها بالخبراء الأجانب وإهمالها أبناء بلدانها العاملين في قضايا البيئة، كما يأخذ على برامجنا التعليمية خلوها من فلسفة البيئة (وهي بالمناسبة دخلت في برامج قسم الفلسفة في الجامعة اللبنانية على النظام الجديد أل. م. د)، وهي تحمل معنى "التأخر" عن اللحاق بركب "تقدم" البلدان الأكثر تقدماً. ويفترض بهذه الفلسفة أن تنبهنا ألا ننبهر بمفهوم "التقدم" نفسه، لأنه يحمل معنى السيطرة على الطبيعة وخلق المشكلات. وثمة حاجة أيضاً لأخلاقيات جديدة تتعالى على نظرة المنفعة وتعيَد للأرض قيمتها الأصلية. ويأخذ الباحث على بلده، لبنان، كغيره من الدول اعتماده على الإستيراد، ويدعو الدولة الى الإتكال على الذات "حسب مفهوم "الكفاية" الآتي من صلب تراثنا". ومطلب إعادة النظر في المنظومة التعليمية يعود الى أنها تركز في أدبياتها في شأن البيئة على التنمية وحسب، ما يعني الخضوع الى إقتصاد السوق المسؤول نفسه عن دمار الطبيعة وخرابها، وحتى يذهب معلوف أبعد من ذلك مطالباً المدافعين عن البيئة بأداء قسم والعمل على صون الأرض وحمايتها. ويسدي نصائح هدفها العيش بتناغم وانسجام مع الطبيعة، لا بل محاكاتها في النظام الدائري بدلاً من الخطي في الإنتاج كمسألة التدوير مثلاً، ويتوجه الى المجتمع المدني مطالباً إياه بعد تحديد دور هذا الأخير، بإنتاج ثقافة شعبية تساعد على خوض عملية الممانعة في وجه الشروط العولميَة.

نحو أخلاق كونية جديدة

في دفاعه عن "المجتمع الحيوي" لا يني الباحث يُطالب بأخلاق جديدة "بين نوعية، أو أخلاق عابرة للنوع الإنساني" تعيد النظر في التمييز القائم في المجتمعات الحديثة بإزاء الأنواع الأخرى من نبات وحيوان وداخل هذه الأخيرة نفسها. ولهذا الغرض من المفيد العودة الى البدايات حيث تشارك الحيوان والإنسان العيش في مجتمع واحد، اذ ساد آنذاك تبادل المنفعة ودوافع البقاء، لكن مع أفضلية للإنسان. والمُلح الآن في نظر معلوف "تغيير المعيار الذي يحدد المنفعة والمصلحة"، أي ما هو لخير البشر وديمومتهم. اذ أن "وحدة الحياة" تعني "وحدة المصير"، ومن ثبت الأمراض المتفشية والتي انطلقت من العالم الحيواني نظير "انفلونزا الخنازير" تتأكد لنا واقعة إرتباط صحة الإنسان بالحياة الحيوانية، ما يفترض "توسيع مفهوم الرعاية ليشمل البيئة كلها. وهذا يتطلب اعتماد نموذج صحي عالمي ومحلي جديد".
وحدة المصير والآثار الكارثية للأزمات البيئية على الكون وساكنيه تحتم العمل على صوغ الأخلاق الكونية الجديدة بحيث تكون ذات معايير يخضع لها الجميع تتمايز عن أخلاق التنوير في القرن الثامن عشر التي جعلت العقل أساساً لها، في حين ألا إجماع على ماهيته ودوره، وهي آمنت بالحوار والإقناع والحجة، ما عنى عملياً استبعاد أطراف من هذه العملية لا تملك لساناً. ولذا، يرى معلوف أن للطبيعة حقوقاً تجب "مراعاتها في أي حوار شمولي وكوني مصيري؟".
يُقارن الكاتب بين المعرفة التقليدية التي ركزت على معرفة الجوهر والثابت والكلي في الشيء وبين معرفة اليوم، مُنتج عصر الإتصال التي تتماهى مع "المعلومات" ومع ما هو عرضي وزائل ولايقيني. واذا كنا نعيش على ما يُروج في "مجتمع المعرفة" أو "مجتمع المعلومات" فإن هذه الأخيرة محتكرة من أقلية عالمية تتحكم في تطور المجتمعات التي تعتمد بقدر كبير على التقنيات الجديدة، ثمرة المعارف العلمية. ويصف الباحث "عصر المعلومات" هذا بأنه عصر الإنتقال والإنفصال : الإنتقال من عصر القلق الفكري الى عصر القلق الوجودي، والإنفصال بين الفكر والسلوك، الإنفصال بين غايات وأهداف التكنولوجيا الأصلية الحقة وتوظيفاتها واستخداماتها. والخوف في رأيه أن نصل الى إنفصال الإنسان عن أخيه الإنسان.
ويدعونا معلوف الى الإنتباه كي لا نكون أسيري "تكنولوجيا المعلومات" ذات الحدين ، بل نجعلها أداة حوار وتواصل ومن أجل تعزيز الديموقراطية.
يحذو الكاتب في مطالعته البيئية المحافظة والممانعة هذه التي غالباً ما يستنجد فيها بالفلسفة والحكمة والمأثور الشعبي، حذو المفكر الفرنسي إدغار موران في "نقد التقدم" الحامل في وجهه الآخر سمة الأزمة، ولا سيَما في القرن العشرين المنصرم المُسمى "قرن الأزمات". وما مديح الكاتب للتأخر (الى الوراء) إلا حنين إبن قرية غادرها وغادرته في غير رجعة ومن دون أن تُسلم له المدينة قيادها، المدينة حيث "يموت القلب كآبة، لأن أفقها يُسرف في الضيَق"، وحيث تعلم الإنسان فيها سبل العيش "ولكنه لم يتعلم الحياة"، كما يقول ملك أوروك مخاطباً اله الشمس في ملحمة جلجامش.

* (الصادر في بيروت عن دار الفارابي، 2010، 359 صفحة)

Repérage des citations dans la presse libanaise
http://www.citations-explorer.com/

<FONT color=#ff0000 face=Arial>Pétition
Non au terrorisme de l’Etat d’Israël
<A href="http://www.aloufok.net/spip.php?article2">http://www.aloufok.net/spip.php?article2