Al-Oufok

Site du Mouvement Démocratique Arabe

Accueil > Etudes et Analyses > <DIV align=left dir=rtl>« الاقتصـاد الأخضـر » : تغيـير لون بنـاء.. علـى وشـك (...)

<DIV align=left dir=rtl>« الاقتصـاد الأخضـر » : تغيـير لون بنـاء.. علـى وشـك الانهيـار !</DIV>

jeudi 26 avril 2012, par حبيب معلوف

حبيب معلوف

لن يستطيع مفهوم « الاقتصاد الاخضر » أن يساهم في حل المشاكل العالمية، الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، بعد أن فشلت مفاهيم « التنمية » و« التنمية المستدامة » (موضوع قمة الارض الاولى في الريو العام 1992) في حلّها. فمفهوم « الاقتصاد الأخضر » الذي ابتدعه برنامج الامم المتحدة للبيئة منذ العام 2008 والذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول العام 2009 في قرارها بعقد مؤتمر الأمم المتحـدة للتنــمية المستـدامة أو ما يعرف بمؤتمر « ريو+20 »، عام 2012 في ريو دي جانيرو، تحت عنوان رئيسي « الاقتصاد الأخضر »... لن ينفع، حسـب وجـهة نظرنا، في حل أزمات العــصر من بيئيــة ومالية، ولا أزمة الفقر والبطالة، كونه لا يتطرق الى معالجة بنية الاقتصاد العالمي المسيطر والمسؤول عن الأزمات العالمية المتلاحقة، بل يحاول تجميله عبر تغيير لونه. كبناية كبيرة على وشك الانهيار، نسارع الى تغيير لون دهانها وطرشها الخارجي بدل ان ندعّمها من أساساتها او نعيد تأسيسها !
لماذا لا يستطيع « الاقتصاد الأخضر » ان يحل المشاكل التي عجزت عنها « التنمية المستدامة »؟ لماذا فشلت القمم العالمية السابقة ومبادئها؟ وما الذي ننتظره من هذه القمة؟ وكيف سيستطيع المفهوم الجديد ان يعالج الازمة المالية العالمية المتفاقمة وازمة الديون ولاسيما الدولية منها؟ كيف سيعالج اكبر قضية تواجه البشرية وهي قضية تغير المناخ العالمي؟ وكيف يمكن للتكنولوجيا الخضراء ان تشكل رافعة الاقتصاد الأخضر وهي تحتاج لصناعتها الى أتربة نادرة وملوثة؟ ! كيف ستوفق هذه التكنولوجيا بين ان تؤمّن فرص عمل جديدة بينما هي تقضي على أعمال قديمة؟ وكيف يمكن لتكنولوجيا جديدة ان تنقذ العالم اذا بقيت محتكرة وتخضع لشروط وقواعد منظمة التجارة العالمية ولقوانين حماية الملكية الفكرية المعولمة؟ كيف يمكن ان تنافس في السوق، وهذا الاخير لا يعير اهتماما إلا للأقوى والأربح؟
كيف يمكن للاعلام ان يكون مواكبا وناقدا في نفس الوقت؟ كيف يمكن ان يكون متخصصا وشعبيا؟ كيف يمكن تسهيل فهم القضايا الأكثر تعقيدا؟ كيف يمكن انتاج قيم جديدة اكثر شمولا وثباتا، في ظل إعلام السوق القائم على الإعلان السريع والتخصيص والتغيير؟
يفترض ان تتطرق المشاورات الإعلامية الإقليمية التي ستعقد اليوم (وغدا)، في مبنى الامم المتحدة في بيروت، الى كل هذه الإشكاليات، والى التحضيرات الجارية لعقد القمة العالمية في الريو في حزيران القادم بعد عشر سنوات على قمة جوهانسبورغ الثانية وعشرين سنة على قمة الريو الاولى. هذه المشاورات التي تنظّمها جامعة الدول العربية مع « الاسكوا » و« اليونيب » والمنتدى العربي الإعلامي للبيئة والتنمية، ستحاول ان تجيب على الاشكاليات التي رافقت هذه القمم والإخفاقات وتعرض لتجارب بعض الخبراء والصحافيين الذين واكبوا هذه القمم، وتقديراتهم لاسباب فشلها، ان في تحقيق التنمية المستدامة او في حماية البيئة العالمية ولاسيما قضية تغير المناخ.
ولكن ما الذي يحمله المفهوم الجديد واشكالياته وما هو المقترح للقمة الجديدة والخلفيات؟
ما هو « الاقتصاد الاخضر »؟

لعل حسنة مفهوم « الاقتصاد الأخضر » الوحيدة هي انه اعاد فتح الباب واسعا امام نقاش عميق، حول كيفية الخروج من الأزمات الاقتصادية والبيئة التي يعاني منها كوكبنا. ولكن لماذا لا يستطيع هذا المفهوم الجديد ان يساهم في هذه المهمة العالمية الملحّة؟
للاجابة على هذا السؤال لا بد اولا من الانطلاق من التعريف، فما المقصود بـ« الاقتصاد الاخضر »؟
يعرّف برنامج الامم المتحدة للبيئة (اليونيب) الاقتصاد الأخضر بكونه « الاقتصاد الذي ينتج عنه تحسّن في رفاهية الانسان والمساواة الاجتماعية ». كما « يقلل بصورة ملحوظة من المخاطر البيئية وندرة الموارد الايكولوجية. ويقل فيه انبعاث الكربون وتزداد كفاءة استخدام الموارد، كما يستوعب جميع الفئات الاجتماعية ». وفي الاقتصاد الأخضر، « يجب ان يكون النمو في الدخل وفرص العمل مدفوعا من جانب الاستثمارات العامة والخاصة التي تقلل الانبعاثات والتلوث. وتحتاج هذه الاستثمارت للتحفيز والدعم عن طريق الانفاق العام الموجه واصلاح السياسات وتغيير اللوائح. على ان يحافظ مسار التنمية على راس المال الطبيعي باعتباره مصدرا للمنفعة العامة، خاصة الفقراء الذين يعتمد امنهم ونمط حياتهم على الطبيعة ».
ولمزيد من التوضيح تؤكد اليونيب ان مبدأ « الاقتصاد الاخضر » لا يحل محل « التنمية المستدامة »، بل ان تحقيق الاستدامة يرتكز على اصلاح الاقتصاد. وان الاستدامة لا تزال هدفا حيويا وان « تخضير » الاقتصاد يساهم في الوصول الى هذا الهدف.
كما يوحي تقرير اليونيب ان فكرة « الاقتصاد الأخضر » أتت كرد على نموذج « الاقتصاد البني »، الذي يعتمد على الوقود الاحفوري، وان الدعم المقدم لهذا النوع من الوقود البني والذي تجاوز 650 مليار دولار العام 2008، يشكل عائقا اساسيا امام الطاقات المتجددة والاقتصاد الاخضر، وان مجرد استبدال او تحويل جزء من هذا الدعم، يمكن ان يحل المشكلة.
للانتقال الى « الاقتصاد الاخضر »، تقترح « اليونيب » ايجاد ما تسميه « ظروف تمكينية »، اي الدعم المادي والحوافز والهياكل القانونية والسوقية والتجارية والمساعدات... التي تميل حاليا الى « الاقتصاد البني ». ومن الامثلة على الظروف التمكينية على المستوى القومي، تغيير السياسات المالية وتقليل الدعم المضر بالبيئة وتوجيه الاستثمارات لقطاعات خضراء... عبر تعزيز قدر اكبر من التعاون الدولي.
وتطمئن تقارير « اليونيب » ان تخضير الاقتصاد لا يمنع من بناء الثروة ولا يحجب فرص العمل ولا يعيق الاستثمارات، وكل المطلوب هو نقل الاستثمارات إلى قطاعات جديدة.
ولكن مفهوم الاقتصاد الأخضر لا ينفصل عن القضايا الاجتماعية ولا عن أزمة تامين الطاقة في العالم وتحديات إدارة المياه وتامين الأمن الغذائي وتمدد ونمو المدن وأزمة إدارة المخلفات والنفايات والمنتجات الكيميائية والتعديلات الجينية وقضايا التجارة وضعف الدول وتنامي ادوار القطاع الخاص وضعف اطر الأمم المتحدة وقضايا ومشكلات اقتصاد السوق ومشكلات تغير المناخ العالمي... الخ فهل يعبر مفهوم الاقتصاد الأخضر على كل هذه التحديات ويدمجها في رؤية شاملة ومتكاملة للتشخيص واقتراح الحلول؟ هذا هو التحدي الذي نتناوله في هذه الورقة.

تاريخية المفهوم الجديد

ظهر مفهوم « الاقتصاد الاخضر » العام 2008 كمبادرة قدمها برنامج الامم المتحدة للبيئة « من اجل تفعيل التنمية المستدامة والقضاء على الفقر »، الا ان جذور هذا المفهوم لم تبدأ مع هذه المبادرة. فالمحاولة الاولى لـ« التخضير »، بدأت في منتصف القرن العشرين، حين ظهر ان تقدم العلوم الوضعية على حساب الفلسفة واية علوم انسانية اخرى، قد ترك آثارا سلبية وخطيرة جمة، فبدأ بعض الفلاسفة بالحديث عن ضرورة « تخضير » العلوم الوضعية.
نشأت فكرة « تخضير العلوم » اذا، مع تقدم علم الايكولوجيا الذي اظهر عدم كفاية العلوم الوضعية التقليدية كالفيزياء والكيمياء والبيولوجيا لفهم الظواهر البيئية غير الطبيعية الناجمة عن حضارة الانسان الحديث، والذي اظهر ايضا ان مستوى الواقع الذي تدرسه الإيكولوجيا، أي المنظومات الإيكولوجية، أكثر تعقيدًا من مستوى الواقع الذي تدرسه العلوم الطبيعية الأخرى... اذ يشمل الكائنات الحية والأوساط المادية المحيطة بها أيضا. ولكي تحيط الإيكولوجيا بهذا الواقع، كان عليها أن تستعين بالفروع/المناهج العلمية الاخرى، او ما سمي « التعددية المنهجية » او « البينمنهجية »، هذه المفاهيم التي نشأت أواسط القرن العشرين كرد فعل على النزعات التخصصية التي اغرقت في التخصص على حساب الكثير من الظواهر. وبحسب تعبير بسراب نيكولسكو في كتابه « العبرمنهجية »، فان تعددية المناهج تعنى بدراسة موضوع واحد مشترك من قبل مناهج متعددة، لا يستطيع اي منها بمفرده ان يرصد كل مظاهره، بما يؤدي الى ان نخرج بمعرفة اغنى عن الموضوع.
صحيح ان فكرة « تخضير العلوم » وتعدد المناهج قد أدت خدمة كبيرة لعلم الايكولوجيا ولمعرفة وتشخيص الكثير من المشاكل البيئية المعقدة والمستجدة، الا انها لم تكن كافية للتصدي لجوهر المشكلة البيئية التي ظلت تتفاقم حتى حدود اللاعودة، وحدود ضرب وتدمير كل أسس الحياة. ويعود الأمر في ذلك، حسب اعتقادنا، الى إهمال الجانب الفلسفي للعلوم. فالتعددية المنهجية أدخلت الكثير من المناهج الوضعية للفهم أكثر، ولكنها أهملت علوم الإنسان نفسه، او ما يسمى « العلوم الإنسانية ». فالإنسان نفسه هو الذي طور وخرب، وكان علينا ان نفهم أكثر لماذا تجاهل كل آثار تطوره وكيف قوّم وقيّم أشياء وأهمل أشياء أخرى، بناء على اية فلسفة، مضمرة او معلنة، واعية او غير واعية؟ فهل ما نشهده اليوم من كوارث طبيعية ـ إنسانية، هو نتيجة تطور العلوم وتراجع الفلسفة؟ نتيجة تقدم البحث العلمي وتراجع الفكر النقدي. ولاسيما الفكر النقدي التصالحي الذي كان يفترض ان يساهم في حل النزاعات وتفكيك الألغام المتعددة التي سرعان ما تنفجر قبل او بعد كل انجاز؟
هذه الاسئلة، هذه التجربة، هذه الخلفية الفكرية ، لم يتطرق اليها مفهوم « الاقتصاد الاخضر » ولا مبتدعوه، ولذلك ستبقى مقاربة الاشكاليات المطروحة سطحية ولن نستطيع ان تعالج المشاكل المطروحة من جذورها.

في خلفية المبادرة الجديدة

تقول « اليونيب » إنه لم يتم ابتداع مفهوم « الاقتصاد الأخضر »، ليحل محل مفهوم « التنيمة المستدامة »، بل للتأكيد على أهمية التغيير في الاقتصاد. الا ان مفهوم « التنمية المستدامة » الذي تم استخدامه للمرة الاولى في تقرير « مستقبلنا المشترك » الذي اعدته « الهيئة العالمية للبيئة والتنمية » العام 1987، وتم اعتماده كعنوان رئيسي للقمة العالمية الاولى العام 1992 في الريو، تم الترويج له كمقاربة شاملة لمعالجة الازمات المترابطة التي تواجه الحضارة الإنسانية، عبر تصديه لثلاث عناصر رئيسية، بينها « التنمية الاقتصادية »، بالإضافة الى العدالة الاجتماعية وحماية البيئة. فالموضوع الاقتصادي لم يكن غائبا عن المفهوم، منذ بداية استخداماته، وبالرغم من ذلك لم ينجح المفهوم في حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، لا بل تفاقمت كل تلك المشكلات وتحولت الى ازمات... وتعقدت اكثر !
تم بلورت مفهوم التنمية المستدامة (في اعلان الريو العام 1992) في برامج عمل القرن الواحد والعشرين، ثم جرى تطوير هذه البرامج في ما عرف بخطة جوهانسبورغ التنفيذية بعد عشر سنوات في قمة الارض الثانية التي عقدت العام 2002 في جوهانسبورغ، الا ان شيئا لم يتغير لا على مستوى حل قضايا الفقر ولا على مستوى انقاذ البيئة.
العام 1993 انشأت الجمعية العامة للامم المتحدة « هيئة التنمية المستدامة » باعتبارها اعلى هيئة دولية تمثل حكومات الدول الاعضاء وتعنى بمتابعة تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بجدول اعمال القرن الواحد والعشرين، كما الحق بها متابعة مقررات وخطة جوهانسبورغ التنفيذية... ولكن لم يحصل اي تقدم مهم على كل المستويات، بعد عشر سنوات اضافية في تحقيق مبادئ التنيمة المستدامة.
امام هذه النتائج الكارثية، باعتراف الكثير من دوائر الامم المتحدة التي باتت تشكك علنا اليوم بفعالية « هيئة التنمية المستدامة » الدولية وقدرتها العملية على متابعة الالتزام بقضايا التنيمة المستدامة وتحدياتها... تؤكد مصادر الامم المتحدة ان قمة الريو+20 التي تعقد بين 20 و22 حزيران العام 2012 ، ستناقش مستقبل هذه الهيئة وامكانية تغييرها... وقد طرحت العديد من الافكار بينها إمكانية إقامة « منظمة الامم المتحدة للبيئة » بدلا من « برنامج الامم المتحدة للبيئة ». كما طالب البعض باقامة « مجلس للتنمية المستدامة » يمثل الحكومات، لضمان تمثيل وتنفيذ قوي للقرارات الدولية، واستبدال آلية اتخاذ القرارات الدولية لتصبح أكثر إلزاما للدول.
من جهة اخرى، رد بعض خبراء الامم المتحدة، لاسيما خبراء الاسكوا، فشل مفهوم التنمية المستدامة في تطبيق متطلباته علميا، الى تعقيدات مستلزامته وتوزع مسؤولياته بين عدة وزارات وهيئات في كل دولة. في حين راى البعض الآخر ان المشكلة، او سبب الفشل، في اعتقاد الدول المتقدمة والنامية معا، ان تطبيق هذا المفهوم هو من اختصاص وزارات البيئة، كونه مختص بحماية البيئة، وحولت بالتالي مسؤولياته الى وزارات البيئة في الدول، التي لا تؤثر كثيرا على خطط التنمية ولا على القطاعات كافة كالنقل والطاقة والزراعة والصناعة والسياحة... التي على تماس مباشر مع مفهوم التنمية المستدامة، ومع البيئة بشكل عام... ما اضعف هذا المفهوم وتطبيق مندرجاته، كون وزارات البيئة هي الأضعف بين الوزارات عامة.
بناء على كل ما تقدم، اطلق مفهوم « الاقتصاد الأخضر »، لإحداث التحول على المستوى الاقتصادي عامة، وعدم اختصار المفهوم من الناحية البيئية فقط.
ولكن بالرغم من كل ذلك، فان العلة لم تكن في الأجهزة التي حملت هذا المفهوم وحاولت تطبيقه، بل في المفهوم نفسه، الذي اعتبر مفهوم « تسوية »، تقوم هذه التسوية على عدم التخلي عن مفهوم « التنمية » التي أحدثت تخريبا هائلا للطبيعة ولموارد الكوكب ومناخه، مع الاخذ بالاعتبار الجانب البيئي. فلا التنمية تحققت، كونها غير عادلة، ولا البيئة تم حمايتها بسبب سيطرة قوى اقتصاد السوق على كل بنية الاقتصاد. وقد كان المطلوب التغيير في بنية الاقتصاد والتراجع عن مفهوم التنمية بدل تجميلها.

الاقتصاد الحقيقي

لا تبدو لنا المشكلة في الأصل في لون الاقتصاد بالرغم من أهمية مصادر الطاقة لتحديد التوجهات الاقتصادية؛ الا ان المشكلة هي في مفهوم الاقتصاد نفسه، الذي يحتاج الى مراجعة عميقة بعد كل المحاولات الفاشلة لتحسين لونه. ولعل المشكلة قد بدأت فعلا في تغيير هوية وماهية الاقتصاد. ففي الأصل كانت « الايكونوميا »، تشتق من « الايكوس » التي تعني في اليونانية « البيت »، و« النوموس » التي تعني « العلم ». ومن هنا اشتق التعريف الاول للايكونوميا « علم ادارة شؤون البيت ». وبما ان بيتنا المشترك هو الأرض والطبيعة، أصبحت « الايكونوميا » تعني علم ادارة شؤون الطبيعة ومواردها. و« الايكولوجيا » بالمناسبة مشتقة من نفس الجذر (الايكوس) ايضا. فاذا كان الاقتصاد (الايكونوميا) يعني علم ادارة الأرض ومواردها، فـ« الايكولوجيا » هي العلم بطبيعة هذه الموارد وبالأنظمة الطبيعية المعقدة. وبالتالي على علم الاقتصاد ان يتأسس على أساس المعرفة بالايكولوجيا (علم الطبيعة)، وعلى قوانين الاقتصاد ان تشتق وان تخضع لقوانين الطبيعة وليس العكس، كما هو معتمد من قبل المفهوم الاقتصادي المسيطر القائم على قواعد ومتطلبات السوق وليس على مقدرات وإمكانيات الطبيعة. وبالتالي يصبح التعريف الأكثر تعبيرا عن المشكلة والحل، هو التوجه نحو « الاقتصاد البيئي » او الاقتصاد الايكولوجي، لإنقاذ الكوكب. ويصبح المطلوب العودة الى المعنى الأصلي للاقتصاد الذي كان يعني الاستثمار ضمن قواعد الطبيعة وليس ضمن قواعد السوق، كما هو حاصل حاليا. العودة الى معنى الاقتصاد كما كان يفهمه أجدادنا الذي يعني التوفير وحسن التدبير، وليس زيادة الإنتاج والاستهلاك، حسب قواعد الأسواق وحسابات الربح والخسارة.
من الواضح ان مقترح المفهوم الجديد (الاقتصاد الأخضر) لا يريد إعادة النظر بقواعد اقتصاد السوق القائم على تشجيع الاستثمار والمنافسة في السوق، وهو يعتقد ان المطلوب فقط هو نقل نوع هذه الاستثمارات فقط، والانتقال من اقتصاد يعتمد على الوقود الاحفوري الى اقتصاد يقوم على الطاقات المتجددة. بهذه البساطة ! مع العلم ان قواعد السوق، لا يمكن الا ان تتبع مصادر الطاقة الأرخص، على قاعدة « طاقة ارخص، انتاج بكلفة ارخص وإمكانيات اعلى للتسويق والمضاربة في السوق والربح ». وكما هو معلوم فان الطاقة الاحفورية البنية، هي الطاقة الأرخص حتى إشعار آخر، ولا سبيل بالتالي للتحول الى طاقات وتكنولوجيات جديدة أغلى ثمنا وأعلى كلفة ولا تستطيع ان تنافس الطاقات والصناعات التقليدية. بالإضافة إلى صعوبة منافسة المافيات المتحكمة بكل قطاع والتي لها تاثيرات على سياسات الدول، أقوى من تأثيرات الأمم المتحدة وخبرائها وتقاريرها... وبالتالي لا سبيل الى هذا الانتقال الا بثورة في جوهر المفاهيم (وليس في تغيير لونها)، ثورة معكوسة لتلك « الثورة الصناعية » التي حصلت في العالم وتسببت بالكثير من المشاكل الخطرة التي نعاني منها اليوم... إلا إذا كان المطلب الضمني للاقتصاد الأخضر، طلب حصة من هذا السوق، أي ان يكون للتكنولوجيا الجديدة حصتها من دون تغيير قواعد اللعبة ! وهذا المشروع لن يؤدي إلى إنقاذ الكوكب واقتصاده بالتأكيد.

أوهام فرص العمل الجديدة

يعدنا الاقتصاد الأخضر بتوفير فرص عمل جديدة وذلك عبر اعتماد التكنولوجيا الجديدة. وهنا تبدو الارقام مدهشة... يتحدث آخر تقرير صادر « الهيئة العامة للتنمية المستدامة » في 28/3/2012 عن تامين الاقتصاد الأخضر 452600 عامل العام 2010 بزيادة 4% عن العام 2009. ولكن التقرير لا يشرح ما معنى هذه الوظائف واقعيا وكيف تكون خضراء من دون سواها. فهل هي وظائف جديدة؟ الم يبدل بعض العمال وظائفهم؟ الم يخسر عمال آخرون وظائفهم؟
تتحدث تقارير عن خلق فرص عمل جديدة في قطاع الطاقات المتجددة وقطاع إعادة التصنيع والتدوير والسياحة البيئية. وبحسب التقرير، فان القطاعات الأكثر ديناميكية هي المتعلقة بإدارة ومعالجة النفايات التي خلقت 97500 وظيفة، ومعالجة المياه المبتذلة التي خلقت 95000 وظيفة وقطاع الطاقات المتجددة الذي خلق 62500 وظيفة، وهو القطاع الأكثر نموا بزيادة تبلغ 19% بالمقارنة مع العام 2009، بالإضافة الى الزراعة العضوية التي أمنت 22500 وظيفة بزيادة 22% عن العام 2009.
ولكن العمل الجديد سيكون على حساب العمل القديم. ويتجاهل المروجون لهذه الفكرة ان العمل في التكنولوجيا الجديدة سيكون على حساب التكنولوجيا القديمة. وذلك يعني توفير فرص عمل جديدة لأناس جدد، على حساب تحويل قسم من اليد العاملة في التكنولوجيا القديمة الى عاطلين عن العمل.
وتبدو هذه المعادلة في غاية التمويه حين تعد بخلق فرص عمل جديدة من دون ان تذكر شيئا عن مصير طرق العمل القديمة والعاملين فيها. مما يدل كم تبدو هذه الحجج واهية. في حين يذهب « الاقتصاد البيئي » ، الذي طرحناه في قمة الأرض الثانية في جوهانسبورغ العام 2002 الى ضرورة إعادة النظر بقواعد العمل نفسه، او إعادة تقسيم العمل وتقليل عدد الساعات وزيادة ساعات الفراغ. مما يعني زيادة الرفاهية الحقيقية وتوفير الطاقة. وعلى قاعدة « يجب ان نعمل اقل، لكي نستطيع ان نعمل جميعا ».

تكنولوجيا بحاجة الى أتربة نادرة !

وإذ يراهن مفهوم « الاقتصاد الأخضر »، على مفهوم « التكنولوجيا الخضراء »، للقيام بإنجاح هذه المبادرة في العالم، ترتهن « التكنولوجيا الخضراء » لـ« أتربة نادرة »، تتطلب عملية استخراجها وتصفيتها الكثير من الجهد وتهديد لصحة العمال وتسبب بالكثير من التلوث للمياه الجوفية. فكيف يمكن الترويج لتكنولوجيا خضراء وبديلة ومنقذة، اذا كانت هذه التقنية تحتاج إلى أتربة « نادرة »، وتتسبب عمليات استخراجها وتصفيتها بتلوث بيئي كبير وخطير، هربت من كلفته معظم الدول الصناعية الكبرى وباتت الصين تحتكرها بشكل شبه كامل؟ !
وقد رفعت الولايات المتحدة الأميركية بالتعاون مع اليابان والاتحاد الأوروبي في 13/3/2012 شكوى على الصين أمام منظمة التجارة العالمية حول ما أسمته « التصدير غير المنصف للمعادن النادرة ». وتأتي الشكوى على الصين كونها بدأت برفع أسعارها وبخفض صادراتها من الأتربة النادرة، وكونها باتت تحتكر ما لا يقل عن 95% من سوق الأتربة النادرة التي تحتوي 17 معدنا نادرا باتوا مطلوبين عالميا للصناعات العالمية العالية التقنية ولاسيما السيريوم والليتيوم المطلوبين في صناعة الهواتف المحمولة وتوربينات الرياح ومحركات السيارات الهجينة وبطارياتها المصنفة « صديقة للبيئة »، بعد ان زاد الطلب عليها في الفترة الأخيرة.
فكيف سيتم الترويج مستقبلا لتكنولوجيا تحتاج إلى أتربة نادرة وملوثة جدا في عمليات استخراجها؟ وكيف يمكن ان تستحق صفة « الخضراء »، اذا ما توسعت الحاجة اليها أكثر وأكثر؟ الا يفترض ان تكون الأولويات في سياسات الطاقة، في ضبط الطلب والترشيد في الاستهلاك واتخاذ إجراءات الحفظ... كأولوية على البحث عن مصادر جديدة... وإن كانت بديلة ومتجددة؟

Repérage des citations dans la presse libanaise
http://www.citations-explorer.com/

<FONT color=#ff0000 face=Arial>Pétition
Non au terrorisme de l’Etat d’Israël
<A href="http://www.aloufok.net/spip.php?article2">http://www.aloufok.net/spip.php?article2